فهرس الكتاب

الصفحة 13353 من 27345

إلا أن حقائق الدين كما قلنا ومسائل العقيدة ترفضان الخضوع كل الخضوع ، فخرج على قسطنطين ناس ، فلاحقهم في البراري والصحاري ، وشردهم في الأديرة ، فخرجوا فارين بدينهم . وبقيت عنده بعض حقائق الدين ، وكان من ضمن من خرج شرذمة من النصارى الذين فروا من قسطنطين وتوغلوا في جزيرة العرب واستوطنوا في وسط الجزيرة في منطقة نجران بين الحدود بين السعودية الحالية واليمن .

إن الشيء الذي يلفت النظر ليس أن تعمد اليهودية إلى امتحان النصارى ، لأن اليهودية في وطن النصارى في الشام ، حاربت المسيحية ، وسعى رجال الدين اليهودي لدى الإمبراطور الروماني لاستصدار حكم الصلب على السيد المسيح عليه السلام . وكانوا الساعد الأيمن في مطاردة المسيحيين . ليست المسألة التي تلفت النظر هي هذه أبدًا ، ولكن الشيء الذي يلفت النظر هو أن شركاء العقيدة لا يمدون يد المساعدة لبعضهم ، حينما قال أحدهم بنشر اليهودية في اليمن ومضى ، ووقعت واقعة الأخدود التي تحدثت عنها سورة البروج في نجران ، وشقوا للناس الخنادق والأخاديد وملؤوها بالنيران المتأججة وألقى فيها اليهود المسيحيين وأحرقوهم وهم أحياء ، لماذا لم تكترث الدولة النصرانية في الشام ؟ ولماذا لم تتحرك الولاية الرومانية في مصر ؟ ولماذا لم تتحرك الدولة النصرانية في الحبشة ؟ علمًا بأن مجال الإنجاد مفتوح ، لماذا ؟ إن هنا موضعًا للتأمل والتفكير الطويل .

نرجع إلى الآيات لنعرف ما أسباب المحنة كما شرحها الله تعالى ، ومعهودنا من الله أنه حينما يعرض الدرس الكبير ويتناول الموقف الخطير لا يلقيها إلى المسلمين مجردًا بل يبرز الأسباب . اسمعوا: ( والسماء ذات البروج ، واليوم الموعود ، وشاهد ومشهود ، قُتل أصحاب الأخدود ، النار ذات الوقود ، إذ هم عليها قعود ، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ) إلى هنا ينتهي عرض المسألة ، لنأتي مباشرة إلى استماع التعليل وإلى إبراز السبب الذي من أجله تعرّض هؤلاء المؤمنون إلى امتحان قاسٍ ، قال الله تعالى ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ، الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد ) إذًا فنحن نستطيع أن نعرف السبب الذي من أجله تعرّضت هذه العصابة المؤمنة لهذا البلاء العظيم . أهي نزاع على الدنيا أو على السلطان ؟ لا شيء من هذا . لكن الجريمة التي ارتكبها المؤمنون هي أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد . ندع هذا الكلام مؤقتًا لنعود إلى صلب الواقعة التاريخية .

ونتساءل: ألم تكن نصرانية الرومان تؤمن بالله العزيز الحميد ؟ ألم تكن اليهودية تؤمن بالله العزيز الحميد ونحن ما زلنا في تاريخ الأديان المقارن نعتبر اليهودية من ديانات التوحيد ؟ إن إلقاء السبب بهذا الشكل مجردًا عن علائقه جميعًا يوحي ويطبع في الأذهان أن ثمة معسكرين ، معسكر يؤمن بالله العزيز الحميد فهو من أجل ذلك تعرّض لهذا البلاء الشديد ، ومعسكر آخر يظن كل هؤلاء الناس الذين أشرنا إليهم لا يؤمنوا بالله العزيز الحميد . ولكن الآن تذهب وتقول لليهودي: أنت لا تؤمن بالله ، فسيقابلك بالإنكار ، سيرى أنك تجرح إيمانه وتعتدي على دينه . وتذهب إلى النصراني وتقول له: أنت لا تؤمن بالله العزيز الحميد . فسيقابلك بالإنكار ويرى أنك ألحقت به إهانة لا تُغتفر . لكن واقع الأمر يختلف .

إننا حين نضع قضية الإيمان في مجال التفكير فإن الإيمان ينحل معنا من حيث النتيجة ودون حاجة إلى بحوث مستفيضة ، إلى عدد من الأفكار ، أولًا: هذا الكون العظيم الهائل لا يعقل أنه نشأ هكذا مصادفة ، كما أنه لا يعقل أنه أنشأ نفسه (أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون) إن العقل السوي السليم لا يستوعب هذين الاحتمالين أبدًا ، لا يقر أن الكون وُجد من غير شيء ، كما لا يقر أن الكون أوجد نفسه ، فمحال أن يُجمَع الفعل والفاعل في آن لاستحالة أن يكون الخالق والمخلوق في آن واحد . وإذا فلم يبقَ في مجال الفروض إلا هذا الفرض الواحد الصحيح وهو أن هذا الكون الهائل الآخذ بالاتساع من صنع الله تعالى .

أنت أيها الإنسان جزء من هذا الكون يسري عليك القانون الذي يسري على الكون كله ، وحينما نقر أن هذا الكون مخلوق فنحن نقول بديهة أنك أنت أيها الإنسان الذي أنت جزء من هذا الكون أيضًا مخلوق . ومصيرك مرهون بهذا الخالق طالما أنت جزء من مخلوقاته . وكل مخلوقات الله تسير وفق القوانين التي وضعها الله لها ، فمن غير المعقول أن تكون أنت وحدك أيها الإنسان من بين مخلوقات الله أن ترفض أن تسير وفق القوانين والنظم التي شرعها الله لك . فمن غير المعقول أن تكون أنت أيها الإنسان الشاذ من بين مخلوقات الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت