فهرس الكتاب

الصفحة 26340 من 27345

... تربية

لقد تميّزت التربية الإسلامية بوسائل فذّة، تنسجم مع خصائص النفس البشرية وتتعدّد وتتنوّع لتستوعب جميع مداخلها ومختلف أطباعها. ومن تلك الوسائل:

1 ـ التربية بالقدوة: فقد أجمع المربُّون المسلمون على أهمية ووجوب اتباع قدوة شرّعها الإسلام متمثلة بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلّم.

وهنا يتبادر للذهن سؤال، وهو: لماذا شخص الرسول بالذات؟

الجواب: أن الإسلام هو خاتم الأديان، ودين الكمال، وصاحب النهج الشامل المعجز، وقد أراد مُنزل هذا الدين أن يجتمع بشخص رسوله كل صفات الكمال وسمات العظمات الموجودة على الأرض وذلك ليكون قدوة للناس في واقع الأرض. فمن المعروف أن الرسول صلى الله عليه وسلّم كان خلقه القرآن فلذلك أراد الإسلام للمسلمين أن يلمسوا هذه الصفات الأخلاقية ويَرَوْها من خلال قدوة تتمثّل ببشر مثلهم، فيصدقون هذه المبادىء الحية لأنهم يَرَوْنها رأي العين ولا يقرؤونها في كتاب! ولأنهم يَرَوْنها في بشر مثلهم، فتتحرك لها نفوسهم وتهفو مشاعرهم فيحاولون تقليده واقتباس صفاته.

والمتتبّع لصفات الرسول يجد أن شخصيته الكريمة صلى الله عليه وسلّم متعددة الجوانب بشكل يجعله منفرداً عن الرسل بميزات عديدة، فشخصية الرسول تمثّلت بها كل جوانب الحياة وما كل رسول كان له مثل هذا: فالرسول عليه الصلاة والسلام كان أباً وما كل رسول كان أباً، وكان زوجاً وما كل رسول تزوّج، وبُعث للإنسانية عامة ولم يُبعث رسول قط للإنسانية عامة غيره.

فنحن نرى أن البشر فيهم الأب والابن والزوج، وفيهم السياسي والاقتصادي ورجل الشورى، وفيهم المحارب والمسالم، وفيهم المبتلى والمعافى، وفيهم الراعي والرعية، وفيهم العامل والتاجر، ونعجب لكون حياة الرسول صلى الله عليه وسلّم تستوعب كل جوانب حياة البشر لتكون قدوة لهم في هذا كله. كما أننا نجد هذا الشمول والاستيعاب في صفاته عليه السلام، فمثلاً إذا أخذنا مواقف الصبر عنده فإننا نجد أنها استوعبت كل مواقف الصبر التي قد تمر بالناس فقد ابتُلي ببلاء الخروج من وطنه، وبلاء من مات له ولد وأولاد وأحفاد، ومن ماتت له زوجة وعم وأبناء عم بعضهم قتلى، وبلاء من أُوذي، ومن فشل بالمعركة واستُهزىء به، ومن شُمِت فيه، ومن اتهم بعرض أحب الخلق إليه، وبلاء من مرض وجاع وجرح وعطش وغير ذلك من أنواع البلاء التي يعتبرها الناس مصائب بحيث لا تصيب إنساناً إلا ويجد أن الرسول صلى الله عليه وسلّم قد أُصيب بمثلها. وبالطبع فالرسول في كل موقف من هذه المواقف وفي كل حال من الأحوال كان المثل الأعلى للبشر والقدوة العليا والوحيدة لهم. ومن هنا كان الأجدر بالمربِّين أن يقتدوا بأوامر وصفات رسولهم وعلى أساسها يقوموا بتربية أولادهم. فالقدوة هي من أفضل الوسائل وأقربها إلى النجاح، لأن الكائن البشري يمر بمراحل عمريّة يتأثر بالقائد المشرف عليه؛ فالطفل يتأثر ويقتدي بوالديه، والفتى يتأثر بمثله الأعلى ويمكن أن يعتبره أستاذه أو والده أو حتى شخصية تلفزيونية مشهورة، والناشىء يتأثر ويقتدي بالشخصيات البارزة على صعيد المجتمع. وعلى كلٍّ فالتربية تفشل عند عدم اتباع القائد أو المربي للتوجيهات التي يوجهها للطفل ويطبقها على شخصه كما أن النظريات والأقوال تبقى حبراً على ورق ما لم تتحوّل إلى حقيقة واقعة تتحرك في واقع الأرض.

2 ـ التربية بالموعظة: تتأثر النفس الإنسانية بالكلام الموجَّه إليها، إلا أن هذا التأثر يتفاوت بين القبول والرفض لسببين.

أولهما: طريقة الكلام أو الوعظ الموجّه إليها.

ثانيهما: أن النفس بطبيعتها تميل إلى السهل دون الصعب، واللذيذ دون المؤلم، وتحب الانطلاق وتكره القيود.

فالواعظ يجب أن يتمتع بصفات تساعده على التأثير: من لباقة في اللسان، ووجه ضاحك هادىء يوحي بالصفاء والارتياح، مع الأخذ بعين الاعتبار النفس البشرية بكل

أطباعها وما لها من تأثير على الموعوظ فهي طبعت على الميل إلى الحرية والواعظ يقيّدها، وعلى الانطلاق وراء الأمور والواعظ يمسكها. ومثل الموعوظ كمثل الصخرة الراسية بأعلى الجبل لا تحتاج إلا إلى زحزحتها، وإمالتها، حتى تتدحرج وتهوي، بلا مشقة ولا تعب. فإذا أردنا أن نُرجعها لاقَيْنا المتاعب والمشاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت