فهرس الكتاب

الصفحة 26339 من 27345

وحث تعالى هذه الأمة حثا مؤكدا على الاقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم الذي جمع كل قدوة حسنة سبقه الأنبياء وزاده الله من فضله، فقال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} .

ولقد كانت الأمة الإسلامية في ماضي عهدها، قدوة حسنة في إيمانها وفي عبادتها ومعاملاتها وسلوكها، وفي عهودها ومواثيقها وفي الأخذ بأسباب القوة والعزة، فكان ذلك سببا في سرعة وصول الحق الذي يحملونه إلى عقول الأمم في مشارق الأرض ومغاربها، فسارع الناس إلى الاقتداء بهم واتباع دينهم، حتى ترك أهل الديانات الأخرى دياناتهم، ووقف رعايا الطغاة ضد طغاتهم إيثارا للحق على الباطل، ونصرةً لأهل الحق على أهل الباطل، فوصل الإسلام إلى لشبونة وفينا وبلغراد وموسكو وبلاد الصين والفلبين وإندونيسيا وإفريقيا، بدون قتال في غالب تلك البلدان، لأن القدوة الحسنة تجعل اتباع الحق سهلا ميسرا لرؤيته مطبقا في واقع الحياة، يطبقه البشر.

وذلك على عكس ما عليه الأمة الإسلامية اليوم، حيث يغلب عليها القدوة السيئة التي جعلت الأمم تنفر منها ومن دينها، وجعلت أعداء الإسلام يستغلون تلك القدوة السيئة، فيبرزونها في مؤتمراتهم وندواتهم ومناهج تعليمهم وإعلامهم وفي كل مناسبة تسنح لهم.

يسمع الناس أن الإسلام يدعو إلى الصدق، ولكنهم يرون في كثير من المسلمين الكذب.

ويسمعون أن الإسلام دين القوة والعزة، ولكنهم لا يرون في المسلمين الا الضعف والذلة.

ويسمعون أن الدين الإسلامي يدعو إلى الجماعة والوحدة وأن الأمة الإسلامية أمة واحدة، ولكنهم يرون المسلمين متفرقين مختلفين، يسب بعضهم بعضا، ويعتدي بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضا. ويسمعون أن الإسلام دين الرحمة وأن المسلمين رحماء فيما بينهم، ولكنهم لا يجدون في كثير من المسلمين إلا القسوة والعنف يأكل القوي منهم الضعيف. ويسمعون أن الإسلام دين العدل، ولكنهم يرون الظلم بين المسلمين هو السائد.

ويسمعون أن الإسلام يدعو إلى الشجاعة، ولكنهم يرون المسلمين جبناء تضيع حقوقهم وتغتصب بلادهم من قبل عدوهم القليل فيستسلمون له ويخضعون وهم كثر.

فكان ذلك سببا في نفور الناس عن هذا الدين الذي صار أهله قدوة سيئة فيه.

وأقول-إنصافا للحق-: إنه يوجد في المسلمين من هو قدوة حسنة ولكن ليس على مستوى الأمة.

والقدوة الحسنة عندما تكون على مستوى الأمة، تبرز معاني الإسلام في السياسة والحكم والاقتصاد والسلوك والنواحي الاجتماعية والعسكرية والقوة الصناعية وغيرها.

أما ما يكون على مستوى الأفراد والأسر وبعض الجماعات الصغيرة، فإنه قدوة حسنة، ولكنه محدودة غير بارز للعالم الذي لا يطلع إلا على ما تبرزه وسائل الإعلام وإمكانات الدول.

والذي يراه الناس الآن في المسلمين هو الإسراف في المحرمات ومحاربة أغلب حكوماتهم للإسلام والدعاة إليه، والتأخر في الشؤون الإدارية والاقتصادية، مع كثرة الخيرات في بلدانهم وسعة أراضيهم، كما يرون تقتيل أعدائهم لهم وإخراجهم من ديارهم، وهدم مساجدهم وانتهاك أعراضهم، وهم سادرون في غيهم يرقصون ويغنون ويمثلون ويتعرون، يقضي في أمورهم غيْرُهم، وكأنهم غير موجودين على ظهر الأرض:

ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأذنون وهم شهود

فأين هي القدوة الحسنة فيهم، حتى يكونوا من السباقين بالحق إلى العقول، وعقولهم مأوى للباطل؟!

[1] - ليس المراد هنا التنفير من تعلم اللغات الأجنبية للاستفادة منها في العلوم المحتاج إليها وفي دعوة أهل تلك اللغات بها إلى الإسلام فهذا من فروض الكفاية في الإسلام، وإنما المراد المبالغة في تقديس تلك اللغات ونسيان اللغة العربية لغة الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت