وإن مما يؤسف له أن تنحدر الأمة الإسلامية انحدارا مروعا، في دينها وخلقها وسياستها واقتصادها وأمنها ووحدتها وقوتها العسكرية، مما كان له أثره البالغ على لغتها التي لم تعد لها مكانتها في العالم، بل أصبحت في مؤخرة اللغات، وأصبحت لغات الأجانب من النصارى وغيرهم هي لغات العلم والثقافة والفكر في العالم وأصبح المسلمون-والعرب منهم بصفة خاصة-يفتخرون باللغات الأجنبية ويتكالبون على أفكار أهلها وآدابهم ويتأثرون بهم، فأصبح السبق للأجانب ولغاتهم وأفكارهم إلى عقول أبناء الأمة الإسلامية بدلا من أن تسبق الأمة الإسلامية بلغتها ودينها وفكرها إلى عقول أبناء الأمم الأخرى [1] .
وها هي أمم الغرب تنشر لغتها في كل مكان، عن طريق مناهج التعليم والإعلام والبحث العلمي والأدوات المتنوعة والمواصلات والاتصالات، حتى ليكاد المسلم العربي يكون غريبا بلغته في بلاده، يقتني الجهاز الذي يحتاج إليه فلا يستطيع استخدامه لأن الكتب الإرشادية المتعلقة باستخدامه قد أعدت باللغات الأجنبية. وهكذا الدواء والغذاء وغيرها، وهكذا الفنادق والشركات والمستشفيات، بل إن بعض البلدان العربية ما زالت معاملاتها الرسمية باللغة الأجنبية!
وإنما هانت اللغة العربية عند أهلها، لهوان الدين في نفوسهم وضعف فقههم له، ولو كان الدين قويا في نفوسهم مطبقا في حياتهم، لعرفوا للغته حقها وقدروها حق قدرها، وسابقوا غيرهم بدينهم الحق بلغته إلى عقول الناس في الأرض كلها.
إن ترجمة معاني الإسلام من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى لإبلاغ أهل تلك اللغات هذا الدين، هي فريضة كفائية، ولكن أنى لأهل تلك اللغات أن يفهموا حقائق هذا الدين كاملة عن طريق ترجمته وليس عن طريق اللغة العربية مباشرة؟!
ولقد بذل علماء الإسلام من سلفنا الصالح، جهودا مضنية لإبلاغ حقائق الإسلام إلى عقول الناس عربا وعجما، بما وضعوه من قواعد اللغة العربية من نحو وصرف واشتقاق وغيرها، وبما وضعوه من قواعد شرعية تضبط بها مقاصد الشريعة وأحكامها، من أصول الفقه وقواعده، فبينوا النص والظاهر والمجمل والمبين والمقيد والمطلق والخاص والعام، وما وضعوه من مصطلحات في علوم الحديث وعلوم التفسير، فكانوا بذلك أعظم أمة اتخذت وسائل لغوية وشرعية لتسبق بالحق الذي آتاها الله باطلَ الأمم الأخرى إلى عقول الناس.هذا بالإضافة إلى بذل جهودهم في مجالات التعليم والدعوة والجهاد في سبيل الله.
الوسيلة السابعة: القدوة الحسنة.
إن من أهم وسائل السباق إلى العقول، القدوة الحسنة التي يراها الناس ويلمسونها في صاحب الحق، بحيث يرون صاحب المبدأ يطبق مبدأه في واقع حياته وتصرفاته، فإذا كان المقام يحتاج منه إلى الكرم أقدم إلى البذل والعطاء، وإذا كان المقام يحتاج منه إلى خلق الشجاعة رآه الناس مقداما غير هياب، وإن اختبروه في صفة الصدق لم يجربوا عليه كذبا، وإن التمسوا عدالته لم يجدوا منه ظلما، وإن أرادوا معرفة تقواه ألفَوه يدع ما لا بأس به خشية من الوقوع فيما به بأس، لشدة تحرجه من الوقوع في المأثم، فضلا عن إتيانه الأوامر الواجبة وتركه المحرمات.
والخلاصة أنه يتحرك في نشاطه كله بالقرآن والسنة، فإذا رآه الناس مداوما على ذلك مالوا إلى الاقتداء به ولو لم يتكلم، لأن الحق بذاته يدعو الناس إلى ذاته، فكيف إذا رأوه مطبقا في حياة أهله ورأوا ثمار تطبيقه في الحياة؟ ويبدأ المعاند المناوئ للحق يفكر في سيرة صاحب الحق ويتدبر ويقارن بين الحق الذي يراه مطبقا في حياة صاحبه، وبين الباطل الذي يزاوله هو، ويترتب على ذلك أحد أمرين.
الأمر الأول: اتباع الحق والعمل به، ونبذ الباطل.
الأمر الثاني: الإصرار على الباطل، مع تيقنه أنه باطل، وترك الحق مع تيقنه أنه حق، وفائدة ذلك انكسار نفس صاحب الباطل أمام صولة الحق، وإقامة الحجة العملية عليه.
أما إذا كان الداعي إلى الحق لم يلتزم هو نفسه به ولم يطبقه في حياته، فإن الناس ينصرفون عنه ولا يشغلون عقولهم بالتفكير فيما يدعو إليه، لمعرفة كونه حقا فيُتَّبَع أو باطلا فيُجتَنَب.
وهذه هي القدوة السيئة التي تُنَفِّر من المبدأ وإن كان حقا، كما هي عادة غالب الناس، وقد يوجد من يفكر في المبدأ الذي لا يكون الداعي إليه قدوة حسنة في تطبيقه، فيعلم أنه حق ويتبعه، ولكن ذلك ليس من وسائل السباق الناجعة إلى العقول.
لهذا كان للقدوة الحسنة منزلتها في الإسلام. وكان رسل الله وأنبياؤه والداعون إلى هداه، كلهم قدوة حسنة، وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بمن سبقه من إخوانه المرسلين، فقال تعالى: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} .
وأرشد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، إلى الاقتداء بنبيه إبراهيم عليه السلام ومن معه، فقال تعالى: {قد كانت لكم حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله} .
وقال تعالى: {لقد لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} .