وقال تعالى: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} .
وقد كلف الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي آمنت به واتبعته، تبليغَ هذا الدين، وفي طليعة أمته أصحابه الكرام رضي الله عنهم، كما قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} .
وقد قاموا بنشر هذا الدين وبيانه للناس بلسان عربي مبين.
وترجمة معاني القرآن الكريم لمن لا يفهم اللغة العربية، لا سبيل إليها إلا لمن يجيد اللغة العربية واللغة المترجم إليها، فاللغة العربية هي أساس البيان لهذا الدين الذي نزل بها.
المقصد الثاني: أن من أهم وسائل نشر الإسلام اللغة العربية.
إن علماء الإسلام مأمورون باتخاذ كل وسيلة مشروعة لنشر هذا الدين وإبلاغ معانيه إلى الناس، ومن أهم وسائل نشره تعليم الناس اللغة العربية التي يتمكن مَنْ تعلمها من فهم هذا الدين فهما صحيحا سريعا.
المقصد الثالث: أن كثيرا من العبادات يجب أداؤها باللغة العربية.
مثل قراءة الفاتحة في الصلاة، وأذكار الصلاة كتكبيرة الإحرام وأذكار الركوع والسجود والتشهد، ونحوها من فروض العين التي يجب على المسلم أداؤها باللغة العربية ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ليتقرب بها إلى الله تعالى.
المقصد الرابع: لا بد من وجود علماء يفقهون الإسلام باللغة الغربية.
إنه لا بد من وجود علماء يجيدون اللغة العربية، إجادة تجعلهم قادرين على فهم معاني القرآن والسنة وكتب العلم التي يحتاج إليها المسلمون، ليكونوا مرجعا لأهل كل بلد يعلمون الناس معاني القرآن الكريم والسيرة النبوية وغيرها، فإن وجود علماء باللغة العربية تحصل بهم الكفاية في ذلك وغيره، هو فرض كفاية يأثم كل قادر من الأمة على عدم إيجادهم، ويأثم القادرون على تعلم اللغة العربية للقيام بهذا الفرض إذا لم يتعلموها.
المقصد الخامس لا بد من وجود قادرين على ترجمة معاني الإسلام.
وهذا المقصد لا يحصل إلا بوجود علماء يجيدون اللغة العربية ويجيدون لغة البلد الذي يريدون دعوة أهله إلى الإسلام، ليترجموا لأهله معاني القرآن الكريم والسنة النبوية، وما يجب إبلاغه إلى الناس من أحكام هذا الدين، لأن علماء الإسلام مأمورون بالبلاغ المبين الذي أصبح من واجبهم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس من السهولة بمكان أن يتعلم كل الناس اللغة العربية.
ترجمة معاني الإسلام إلى اللغات الأخرى.
هذا وليعلم أن تبليغ الناس معاني الإسلام وأحكامه بالترجمة إلى لغات أخرى غير اللغة العربية، أمر تقتضيه الضرورة، إذ أنه مهما أوتي المترجم من إتقان للغة العربية واللغات الأخرى التي يترجم بها معاني الإسلام، لا يمكنه أن يستوعب ما تحويه اللغة العربية من معان إلى اللغات الأخرى، ولذلك يجب على المسلمين أن يهتموا بتعليم اللغة العربية ونشرها بكافة الوسائل المتاحة، كالمدارس والمعاهد والجامعات والكتب وإعداد المعلمين وتدريبهم، والمنح الدراسية في البلدان العربية لغير العرب، وكذلك استغلال أجهزة الإعلام كالمذياع والتلفاز والفيديو والكاسيت وغيرها، لتعليم الناس-وبخاصة المسلمين-لغة القرآن ليصلوا إلى فهم هذا الدين فهما مباشرا بلغته التي جاء بها.
وإني أشبه من يجيد اللغة العربية ويفهم دينه من القرآن والسنة وكتب العلم بها مباشرة، برجل اشتد عطشه فرأى عينا جارية تنبع من صخرة في قمة جبل وهو في أسفله، فشمر صاعدا حتى وصل إلى نبع الماء واستقى منه عذبا زلالا صافيا.
وأشبه من وصلت إليه معاني الإسلام بالترجمة، برجل آخر اشتد عطشه، وهو مصاب بالكسل، وقف في أسفل الجبل ينتظر وصول الماء إليه ليشرب منه وهو في مكانه، فوصل إليه الماء وقد مر بالتراب والقاذورات التي كدرته فأخذ يشرب منه وهو بتلك الحالة.
وإن الأمة الإسلامية لجديرة بالاهتمام بلغتها ونشرها بالوسائل المتاحة، لتصل إلى الناس في هذا الكوكب الأرضي، فهي لغة دين لم يعد في الأرض دين حق سواه، وهو الذي حفظ لها هذه اللغة من الضياع، لحفظ الله تعالى هذا الدين بحفظ كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} .
انتشار لغة الأمة من علامات قوتها.
وإن انتشار لغة أي أمة لهو دليل عظمتها وتفوقها، وبلغتها تستطيع أن تسبق بدينها وفكرها وسياستها واقتصادها وسائر علومها، غيرَها من الأمم إلى عقول الناس.
وهذا ما تحقق للأمة الإسلامية أيام مجدها، حيث انتشرت لغة دينها انتشار مساجدها ومعاهدها ودعاتها، ونبغ في اللغة العربية أئمة من غير العرب فملئوا بعلمهم الآفاق من حدود الصين شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا.
وكانت الأمم تتسابق إلى علوم المسلمين في كل مجال من مجالات الحياة، كما نقل المسلمون علوم الأمم الأخرى إلى لغتهم، واستفادوا منها وطبقوها عمليا وزادوا عليها، وعلى أيديهم تعلم الأوربيون أسس حضارتهم التي يفخرون بها اليوم.