فهرس الكتاب

الصفحة 21897 من 27345

لماذا ينقمون على المجاهدين؟

بقلم: خباب بن مروان الحمد

لن تنضج فصائل العمل الإسلامي بجميع أطيافها، إلاَّ باستمرار التداول فيما بينهم بالنقد والتوجيه، والنصح والتقويم، وتحمُّل بعضهم البعض في نقد الأعمال والتوجُّهات المغايرة للمنهج الإسلامي القويم .

ولا أظن أنَّ أحدًا يجادل في أهمية النقد البنَّاء لجميع أشكال العمل الإسلامي سواء الفكرية أو العلمية أو السياسية أو التربويَّة ... فإنَّ العمل البشري سيبقى معرَّضًا للخلل والقصور، ويبقى الكمال لله عزَّ وجل.

وفي هذا الزمن الذي يصح أن يوصم بأنَّه زمن صراع وقتال بين أهل الإيمان وأهل الكفر، فإنَّ فيه للمجاهدين في سبيل الله دورًا كبيرًا في الدِّفاع عن حياض الإسلام، ودفع العدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا معًا، ورد كيد العتاة ومغتصبي حقوق المسلمين وبلادهم وأعراضهم.

وحيال جهود المجاهدين، نجد أنَّ هناك أناسًا لا يهنأ لهم بال، ولا يقرُّ لهم قرار إلاَّ بالقدح فيهم، ولمزهم، والسخرية منهم، والتندّر بأحوالهم، بل الإقذاع في ذلك وكأنَّهم مجرمون إرهابيُّون!

وحسبي في هذا المقال أن أخاطب من خلاله شريحتين لهما دور واضح في تسفيه جهود المجاهدين، وكثرة البَرَم منهم والحديث في وسائل الإعلام عنهم لتشويه صورتهم، والتنقيص من قدرهم وهما:

1.من يسمُّون أنفسهم بالإسلاميين الليبراليين، الذين يتصدَّرون الوسائل الإعلاميَّة بالقدح واللمز والتشويه للمجاهدين في سبيل الله.

2.بعض المنتسبين لأهل العلم ـ وإن كانوا قلَّة ـ والذين يحقِّرون من جهود المجاهدين، ويقولون لا جهاد حقيقيًا وصحيحًا في هذا الزمان، بل جميع الحركات المنتسبة للجهاد حركات عميَّة جاهليَّة!

وحقَّ لنا أن نعجب من هؤلاء القادحين كيف يسمحون لأنفسهم بأن يكونوا نوَّار فتنة، ومشعلي حربٍ ضروسٍ، ضدَّ أناس خرجوا بأنفسهم وأموالهم ابتغاء رضا الله ـ تعالى ـ ؟! فهم معرَّضون للقتل والاستشهاد في سبيل الله، بل هؤلاء المجاهدون يدافعون عن حرمات المسلمين وعن هؤلاء الذين يلمزونهم، ويحتقرونهم.

نعم ... إنَّ المجاهدين غير معصومين فهم بشر تعترضهم الأخطاء، وينتابهم القصور، ويقعون في الزلل، ولا شك في ذلك، بل إنَّهم لا يدَّعون ذلك لأنفسهم، فهم يطلبون من المسلمين المناصرة والمناصحة على حدٍّ سواء.

ولكن هل المنهج العلمي الصحيح يُبيح لهؤلاء اللاَّمزين أن يُقدِموا على لمز المجاهدين، والطعن فيهم واتِّهامهم بالإرهاب والتطرف؟

وهل مثل هذه العبارات يلمس من ورائها نصحٌ وتذكير للمجاهدين ، أو نقد بنَّاء يصبُّ في مصلحة الإسلام والمسلمين؟

والجواب عن ذلك: يستحيل أن يكون الهزء بالمجاهدين وحركات الجهاد في سبيل الله من قبيل النصح، والفرق بين ذلك واضح. [1]

-تقويم الخطأ بالنصح والتوجيه لا بالسخرية والتسفيه:

إنَّ المنهج الصحيح وهو منهج أهل السنَّة والجماعة يقرر أن لا أحد فوق النصح، ولا يعني أنَّه إذا أخطأ المجاهدون في سبيل الله أنَّهم لا يُنصحون ولا يُبيَّن لهم خطؤهم وقصورهم، ولكن تبيين الخطأ شيء واللمز من طرف خفي شيء آخر، وكذلك التبرؤ من بعض الأفعال الخاطئة شيء والتبرؤ من الشخص الفاعل شيء آخر، إنَّها موازنة تقتضي الإنصاف والعلم والعدل.

قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: (ولهذا كان النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ يستعمل خالد بن الوليد على الحرب، منذ أسلم، وقال:( إنَّ خالدًا سيف سلَّه الله على المشركين) مع أنَّه أحيانًا قد كان يعمل ما ينكره النبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، حتَّى إنَّه ـ مرَّة ـ قام ثمَّ رفع يديه إلى السماء وقال: ( اللهم إنِّي أبرأ إليك ممَّا فعل خالد ) لمَّا أرسله إلى بني جُذَيْمة فقتلهم، وأخذ أموالهم بنوع شبهة، ولم يكن يجوز ذلك، وأنكره عليه بعض من معه من الصحابة، حتَّى وَدَاْهُم النبي ـ r ـ ، وضمن أموالهم؛ ومع هذا فما زال يقدِّمه في إمارة الحرب؛ لأنَّه كان أصلح في هذا الباب من غيره، وفعل ما فعل بنوع تأويل)

وكلام شيخ الإسلام دقيق ، فكما أنَّ العلماء يخطئون وكذا التجَّار والأطبَّاء والمهندسون؛ فإنَّ المجاهدين كغيرهم في هذا الأمر، إلاَّ أنَّ الفارق في طريقة تقويم الخطأ ما بين ناصح أو حاقد، فالناصح يبيِّن الحق، ويذكر سبب الخطأ، ثمَّ يذكر الوجه الصحيح لعلاج ذلك، وأمَّا الحاقد فإنَّه لا يفتأ يلمز ويهمز في المجاهدين، وشتَّان شتَّان ما بين الأمرين !

ولننظر لطريقة القرآن الكريم في تقويم أخطاء المجاهدين، فحين لم يلتزم الرماة في غزوة أحد بأمر رسول الله ـ r ـ ونزلوا لأرض المعركة مع أنَّه ـ r ـ أمرهم بأن يلزموا مكانهم، ولا ينزلوا لأرض المعركة إلاَّ حين انتهائها بينهم وبين كفَّار قريش، إلاَّ أنَّهم استعجلوا الأمر ونزلوا لأرض المعركة قبل انتهائها، وبعد هزيمتهم تساءلوا: ما السبب في ذلك؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت