فهرس الكتاب

الصفحة 21898 من 27345

قال الله تعالى: ? أولمَّا أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنَّى هذا قال هو من عند أنفسكم ?، ففي هذه الآية بيَّن ـ سبحانه وتعالى ـ خطأ أولئك المجاهدين، إلاَّ أنَّه ـ عزَّ وجل ـ لم يقدح في عدالتهم، أو يشكِّك في نيَّاتهم.

وذلك لأنَّ هؤلاء لهم دور كبير في نصرة الإسلام، والمنهج الإسلامي في عمليَّة النقد متوازن وموضوعي في الوقت ذاته، فالعتاب وتبيين الخطأ لكلِّ من أخطأ فريضة إسلاميَّة، ولكنَّ ذاك الخلل ينبغي أن يغتفر في الحسنات الكثيرة التي أصاب بها المخطئ، وكثيرًا ما كان يركِّز ابن القيِّم ـ رحمه الله ـ على ذلك ويستشهد بحديث رسول الله ـ r ـ: (إذا كان الماء قلَّتين لم يحمل الخبث) . وكذلك فإنَّه يقول:"أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم"، وبهذا يكون الاتزان في منهج التعامل مع أخطاء ذوي الأقدار والمروءات.

وعلى ضوء هذه الآيات والأحاديث ينبغي أن ننتهج بنهجها، وحرّي بنا أن نسير في مضمارها، بدون تلكؤ ولا ارتياب ؛ ذلك أنَّ الآيات والأحاديث كلام ليس بالأغاليط بل هو وحي يوحى، فأين هؤلاء القادحون من هذا؟

* خطورة التشبُّه بالمنافقين في نقد المجاهدين:

إنَّ المرء المسلم ينبغي عليه أن يكون حذرًا لدينه في أن يكون مشابهًا للمنافقين في بعض أحوالهم، ومن قرأ سورة الأحزاب بتأمُّل سيجد فيها وصفًا لحال أولئك المنافقين الذين ما فتئوا يقدحون برسول الله والعصابة المؤمنة المجاهدة من الجيل الأول رضوان الله عليهم.

والعجب من هؤلاء المغتابين الهمَّازين للمجاهدين أنَّهم حين يتكلَّمون عن المخالفين لشرع الله، أو الكفَّار عمومًا حتَّى المحاربين منهم فإنَّك تجدهم يتوقَّون أشدَّ التَّوَقّي للكلمات التي لا تثيرهم عليهم ولا تستفزُّهم؛ ويطالبون الناس بالعدل معهم، وإنصافهم؛ خشية إثارة مشاعرهم بل يجادلون عنهم ، مع أنَّ الله سبحانه يقول:? ولا تكن للخائنين خصيمًا * واستغفر الله إنَّ الله كان غفورًا رحيمًا * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إنَّ الله لا يحبُّ من كان خوَّانًا أثيمًا? ويقول ـ تعالى ـ محذِّرًا من مغبَّة فعل: ?هاأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أمَّن يكون عليهم وكيلًا ?.

وفي مقابل ذلك تجد الكلمات التي يقتبسونها من قاموس المجرمين ليطلقوها ويلصقوها بالمجاهدين، وفي حال سماعهم إشاعة عن مجاهد أو اتهامًا له سارعوا بإذاعة ذلك بكل وسيلة ممكنة، وكأنَّ لحومهم مسموح لها التعرُّض بالقيل والقال، فهل هذا عدل وإنصاف؟!

نعم ! إنَّي لا أنكر أنَّه يتوجَّبُ علينا أن نكون متحرِّين لنقاوة الجهاد، وناصحين لإخواننا المجاهدين في كل صقع محتل من أصقاع المسلمين، بألاَّ يصيب جهادهم خللٍ ولا خطأ ولا دخل، ولكن لا يكون ذلك إلاَّ بالأساليب الطيِّبة النافعة، التي لا تستغلُّها الوسائل الإعلاميَّة للقدح فيهم، وتشويه صورتهم.

وقبل الختام:

فقد أجمع علماء الإسلام على حرمة الغيبة والسخرية بالمسلمين، وعدُّوها من كبائر الذنوب، وعلى هذا فإنَّه يجدر بنا أن يكون لدينا دور تجاه الذَّبِّ عن أعراض المجاهدين قدر الإمكان، فإنَّهم قوم خرجوا بأموالهم وأنفسهم لا يبتغون إلاَّ ما عند الله عزَّ وجلَّ من الأجر العظيم، والثواب الجزيل، بل هم حرَّاس الدين وحماته في هذا الزمان وفي كل زمان، فكيف يَليق بنا أن نقدح فيهم وهم الذين كان لهم الدور الكبير في صدِّ عدوان المعتدين؟!

لهذا فإنَّ اللاَّمزين للمجاهدين والقادحين فيهم، لا يقال لهم إلاَّ ما قاله الشاعر العربي الأوَّل:

أقلُّوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم

أو سدُّوا المكان الذي سدُّوا

لقد وصف رسول الله ـ r ـ المجاهدين بالخيرية فقال:"خير الناس في الفتنة رجل معتزل في ماله يعبد ربَّه ويؤدي حقه، ورجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله يخيفهم ويخيفونه" [2] ؛ بل جعل رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ من صفات الطائفة المنصورة طائفة مجاهدة في سبيل الله في عدد من الأحاديث النبويَّة ساق الإمام مسلم فيها ثلاثة أحاديث .

ولنتذكر إنجازات المجاهدين الأبرز في تحقيق المناعة للأمَّة ، بمواردها واقتصادها وسيادتها ، وكيف أنَّهم قاموا بمنع أفكار التمدُّد ـ أو تأخيرها على الأقل ـ في الغزو الصهيوصليبي لديار المسلمين وأراضيهم، وعلى سبيل المثال: فنحن لا ننسى كيف كان اليهود يقولون: أرضك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل ، وهم يتمنَّون إقامة أرض إسرائيل الكبرى ، بيد أنَّهم حين رأوا قوَّة المقاومة في فلسطين ، وإضعافهم لقوَّتهم ، بدؤوا يضعون الحواجز والجدار العازل بينهم وبين الفلسطينيين ، وينادون كذلك بأهميَّة تحديد وترسيم حدود إسرائيل ، وهذا لم يتأتَّ إلاَّ بفعل ضربات المقاومة الجهاديَّة في أرض فلسطين .

إنَّها دعوة لنستشعر الأحاديث النبويَّة الواردة في ثواب من ذبَّ عن عرض أخيه المسلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت