فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي
ومن الفقه المطلوب والمتمم لما ذكرناه: تقدير مستويات النّاس وظروفهم وأعذارهم وضعف احتمالهم في مواجهة القوى الضاغطة عليهم.
فمن الخطأ أن نطالب عموم الناس أن يلحقوا بجوار سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، فيقوموا إلى أئمة الجور، وطواغيت الحكم، فيأمروهم وينهوهم ويأخذوا على أيديهم، ليظفروا بالشهادة في سبيل الله، وهي أعلى وأغلى ما يتمناه مسلم لنفسه.
فهذه المنزلة فضيلة لا يقدر عليها إلاّ أولو العزم وقليل ما هم، وليست فريضة يطالب الناس بها ويحاسبون عليها.
وقد يكتفي بعض النّاس بأن يقول كلمة الحق من بعيد، وقد يلتزم الصمت لأنه لا يرى فائدة من الإنكار باللسان بعد أن رأى شحًا مطاعًا وهوى متبعًّا ، ودينيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأى أمرًا لا يدان له به ـ كما جاء في حديث أبي ثعلبة الخشني ـ فعكف على خويصة نفسه، وترك عنه العوام، وقد يرى فائدة الإنكار، ولكنه يعجز عن تحمل نتائجه، فيقتصر على التغيير بقلبه، وذلك أضعف الإيمان.
وقد يرى البعض أن التغيير إنما يبدأ من القاعدة لا من القمة، وأن الإصلاح يجب أن يتجه إلى الأفراد أولًا، فإذا صلحوا صلحت بهم ومعهم الجماعة، وقد يرى بعض آخر أن تغيير الأنظمة الفاسدة التي قامت على التغريب والعلمانية لا يتم إلاّ بعمل جماعي، واضح الأهداف، مدروس الوسائل، طويل المراحل، عميق الجذور، تقوم به حركة إسلامية شعبية قادرة على نقل الأحلام إلى واقع معاش.
ويدخل في هذه المعاني: أن من الجائز - بل من المطلوب - شرعًا، السكوت على المنكر، مخافة وقوع منكر أكبر منه، احتمالًا لأهون الشرين، وارتكابًا لأخف الضررين، كما تقرر ذلك القواعد الشرعية.
ومن الأدلة الخاصة لذلك ما ذكره القرآن الكريم عن نبي الله هارون، أخي موسى وشريكه في الرسالة إلى فرعون وقومه، فقد ترك موسى أخاه هارون عليهما السلام، خليفة في قومه، وذهب لمناجاة ربه، وكان ما كان من أمر السامري وعجله الذهبي الذي فتن به بني إسرائيل، حتى عبدوه (( ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإنّ ربّكم الرّحمن فاتّبِعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتّى يرجع إلينا موسى ) )
(طه: 90-91 ) .
وسكت هارون على هذا الانحراف الخطير، وأي انحراف أكبر من الشرك وعبادة عجل لا يرجع إليهم قولًا، ولا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا، ولا يهديهم سبيلًا؟
ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا لما أحدثه قومه من بعده، قائلًا: بئسما خلفتموني من بعدي، وألقى ألواح التوراة، وأخذ برأس أخيه يجره إليه في حدة وغضب (( قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلّوا ألاّ تتَّبعنِ أفعصيت أمري ) ) (طه: 93 ) ، فماذا كان جواب هارون (( قال يابن أمّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إنّي خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ) ) (طه: 94 ) .
فهنا يعتبر هارون عليه السلام الحفاظ على وحدة الجماعة حتى يعود زعيمها الأول، حجة له في السكوت على ضلال القوم، حتى لا يقول قائل: إنه تعجل القرار، وفرق الجماعة، ولم ينتظر عودة موسى.
ومن ذلك حديث عائشة في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال لها:"لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم"أي: إنه عليه الصلاة والسلام ترك فعل ما يرى أنه مطلوب خشية أن يثير فتنة - عند قوم لم يتمكن الإسلام من أنفسهم بعد - بسبب هدم الكعبة وبنائها من جديد.
ومن ذلك أمره صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الأئمة إذا لم تكن هناك قدرة على خلعهم واستبدال آخرين صالحين بهم، مخافة فتنة أكبر، ومفسدة أعظم، تراق فيها الدماء، وتنتهك الحرمات، وتذهب الأموال، ويتزعزع الأمن والاستقرار، دون أن يتحقق تغيير.
وهذا ما لم يصل الأمر إلى الكفر الصريح، والخروج السافر عن الإسلام ، كما في حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين"إلاّ أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان".
ومن هنا يتبين لنا خطأ المثاليين الحالمين الذين يطالبون النّاس بالإسلام الكامل في عقائدهم وعباداتهم، ومعاملاتهم، وأخلاقهم وآدابهم، أو يتخلوا عن الإسلام بالكلية، فلا وسط عندهم ولا درجات، فإما إسلام تام مطلق أو لا إسلام.
حصر هؤلاء تغيير المنكر في مرتبة واحدة، هي التغيير باليد، وأسقطوا المرتبتين الأخيرتين، وهما: التغيير باللسان، والتغيير بالقلب، حسب استطاعة المكلف ووسعه.
ونسي هؤلاء أن التكليف في شرع الإسلام بحسب الطاقة والوسع، وأن طاقات الناس تتفاوت، وظروفهم تختلف، ولهذا راعى الشرع الأعذار والضرورات، وجعل لها أحكامها الخاصة، حتى إنه ليبيح بها المحظورات، ويسقط الواجبات.
وما أعدل ما قاله الإمام ابن تيمية في ذلك: