رئيسي:الدعوة: الدعوة إلى الله عمل جليل، ومهمة شاقة، ولابد لمن يضطلع بهذا الواجب العظيم أن يتصف بصفات الدعاة المخلصين، وخصال المصلحين الصادقين، الذين لا يتوخون من دعواتهم إلا أمرًا واحدًا هو رضى الله عز وجل، ولا يصلح أن يتبوأ مقام الدعوة إلى الله إلا من اصطبغ بصبغة التقوى، وتنزّه عن المقاصد الدنيوية، وترفّع عما يختصم فيه أهل المادة وطلاب الدنيا، ثم لم يكن حظه من مُتع الحياة الدنيا التي مآلها للزوال إلا كحظ المسافر استظل تحت شجرة فهو يتحرى ساعة الرحيل عنها.
التزام الداعي بما يدعو إليه: ومعناه: أن يطابق قول الداعي عمله، وأن يتمثّل ما يقوله عملًا وسلوكًا ومنهاج حياة، وأن لا يخالف في عمله بالجوارح والمقاصد ما يقوله بلسانه.
شرط هذا الالتزام:الالتزام الحق هو الذي اجتمع فيه شرطان: الإخلاص لله عز وجل، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فمتى انتفى أحد هذين الشرطين لم يكن الالتزام صحيحًا .
أهمية الالتزام في حياة الدعاة:
? معلم بارز، بل أساس من أسس دعوات الرسل: ومن الأمثلة على ذلك قول نبي الله شعيب صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقومه: { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [88] } [سورة هود] .
? التطابق بين القول والعمل سبيل النجاة يوم الحساب: فعن أسامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ] رواه البخاري ومسلم .
? الداعي الملتزم يمضي قُدمًا في سبيل الدعوة، ويحقق ما لا يحققه المتهاون: ذلك أن الداعي الملتزم يدعو بطريقين: طريق البيان، وطريق القدوة العملية، والقدوة أبلغ من القول إقناعًا وأعمق تأثيرًا، فضلًا عن أن الملتزم يقع في القلوب موقع الرضا وتلك مزية لها أثرها البيّن في قبول الدعوة وفتح مغاليق القلوب أمامها.
? الدعاة يراعي في حياتهم ومدى التزامهم ما لا يراعي مثله في غيرهم: ولهذا ورد التشنيع والتحذير من زلة العالم .
فضل الالتزام:
? أثنى الله على الذين تطابق أقوالهم وأفعالهم، قال تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [33] } [سورة فصلت] . فالمدح في الآية على: الدعوة إلى الله،والعمل وفق هذه الدعوة وهو العمل الصالح الذي تحقق فيه الإخلاص لله والاتباع، ولزوم جماعة المسلمين، بترك الاختلاف والتفرق والتشرذم والتنازع . ومتى ترك الداعي شيئًا منها فقد قصر في حق نفسه وفي حق من يدعوه إلى الله، وقد ذم الله من تخالف أقوالهم أفعالهم، فقال: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ [2] كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [3] } [سورة الصف] . وقال: { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [44] } [سورة البقرة] .
? ومما فيه تنويه بفضل الالتزام والملتزمين:قوله تعالى: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [97] } [سورة النحل] .
فأهل الالتزام بالدين بأحكامه، وأخلاقه، وآدابه، لهم الحياة الطيبة في الدنيا، والنعيم المقيم في الآخرة، وكفى بذلك فضلًا .
سمات الالتزام: