فهرس الكتاب

الصفحة 21359 من 27345

لا تتألَّوا على الله أن يقبل التائبين من بقايا بعث العراق !!

الحمد لله على نعمائة ، و الصلاة و السلام على نبيه محمدٍ و آله ، و بعد ..

فإن من أشنع صور التعدي أن يتعدى المخلوق على حق الخالق ، فينصب نفسه حكمًا يتألى على أحكم الحاكمين ، و يستدرك على أرحم الراحمين ، فيصنف آحاد البشر بين الجنة و النار ، و كأنَّه اطَّلَع الغيب أو اتَّخذَ عند الرحمن عهدًا .

و في زماننا الذي يلتبس فيه الحق بالباطل إلى حد بعيد ، يحلوا للبعض أن يتحجروا رحمة الله تعالى على أنفسهم و من يحبون ، و لا يدعون لسواهم في رحمة الله و فضله حقًا ، بل يوصدون أبواب التوبة في أبواب الأوابين ، و يأخذون بحجز الناس عن الجنة ، بدلًا من أن يأخذوا بنواصيهم إليها .

و تتكرر هذه المواقف كثيرًا حينما يُذكَر المجاهدون المرابطون من أهل العراق ، فينبري البعض لينعتهم بأنهم فلول البعث ، أو بقايا نظام طاغوتي بائد ، ضاربًا بعرض الحائط تبرأهم من الطاغوت الهالك و حزبه و أعوانه ، و إقبالهم على الله تعالى طلبًا للشهادة في سبيله ، و الإثخان في أعدائه .

لذلك رأيت - لزامًا - أن أدعو إخواني الغيارى على دين الله إلى الكف عن التألي على الله ، و إحسان الظن بأهل الثغور ، و حمل كلامهم على أحسن المحامل ، بالدعاء لهم بدلًا من الدعاء عليهم ، و التخذيل عنهم بدلًا من تخذيلهم ، لأن الله تعالى أمرنا بالحكم بظواهر الأمور ، و استأثر لنفسه بعِلمِ السرِّ و أخفى .

و الأولى بمن يبتغي التمكين لشرع الله في أرضه و عباده أن يحرص على تصحيح معتقدات حملة السلاح في وجه الطغاة المحتلين ، فيدعوهم إلى ما يصلح دينهم و دنياهم ، و يجعلهم أهلًا لأحدى الحسنيين ، و يدعو لهم بالهداية و التوفيق و السداد ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلَّم يدعوا بالهداية لأهل الغواية ، فيقول كما روى أحمد و الترمذي بإسناد قال عنه: حسن صحيح غريب ( اللهم اهدِ ثَقِيْفًا ) رغم أن سهام ثقيف كانت تنهل من دماء المسلمين ، فيقول الصحابة: يا رسول الله ! أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم ، فلا يزيد عليه الصلاة و السلام على الدعاء لهم بالهداية كما روى ابن أبي شيبة و أصحاب المغازي !

فكيف لو كانت قذائفهم و نبالهم تصب حممها على أعداء الدين ؟ كما هو الحال اليوم في بلاد الرافدين و عاصمة الرشيد ، حيث مثلث الجهاد ، و معقل الرباط .

و في الصحيحين و غيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: جَاءَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ دَوْسًا قَدْ هَلَكَتْ عَصَتْ وَ أَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَ أْتِ بِهِمْ .

و لا يعارَض هذا بما ثبت من دعاء النبي صلى الله عليه و سلم على بعض المشركين ، و تسمية بعضهم بأعيانهم في القنوت و غيره ، إذ إن لكل من المقامين المتباينين ( مقام الدعاء للمشركين ، و مقام الدعاء عليهم ) ما يناسبه من المقال .

و قد بوب الإمام البخاري في صحيحه على خبر الدعاء لدوسٍ بالهداية فقال: ( باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم ) ، و هو ما عقب عليه الحافظ في الفتح قائلًا: و قوله ( ليتألفهم ) من تفقه المصنف إشارة منه إلى الفرق بين المقامين ، و أنه صلى الله عليه و سلم كان تارة يدعو عليهم و تارة يدعو لهم ، فالحالة الأولى حيث تشتد شوكتهم ، و يكثر أذاهم ... و الحالة الثانية حيث نؤمن غائلتهم و يرجى تألفهم . اهـ .

و لا شك أن من يقاومون طغيان الاحتلال في العراق اليوم ( من غير المجاهدين لتكون كلمة الله هي العليا ) أقرب إلى أن تؤمن غائلتهم ، و يرجى تألفهم ، خاصة بعد أن تمايزت الصفوف ، و انقسم العالم بأسره إلى فسطاطين لا ثالث لهما ؛ فسطاط الجبروت الأمريكي المحاد لله و لرسوله ، و المتربص بصالح عباده و أوليائه ، و فسطاط من يأبى الدنية في دينه ، و لا يركن إلى عدوه ، بل يتصدى له بقلة من العَدد و العُدَد في كثير من العزم و العزيمة .

أفلا يحسن بنا اليوم - و الحال هذه - أن نقول: اللهم اهدِ فلول البعث ، و بقايا القوميين ، بدلًا من أن نرد تائبهم ، و نتألى على الله أن يقبل من أزاح الغشاوة عن عينيه بعد طول عمى !؟

روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده عَنْ جُنْدَب البَجَليّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ حَدَّثَ: ( أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَ اللهِ لاَ يَغْفِرُ اللهُ لِفُلاَنٍ ، وَ إِنَّ اللهَ تَعَالَىَ قَالَ: مَنْ ذَا الْذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لاَ أَغْفِرَ لِفُلاَنٍ ، فَإِنَّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلاَنٍ ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ ) . معنى يتألى يحلف و الالية اليمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت