فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 27345

سلسلة دراسات إسلامية معاصرة

النفس

منشورات المكتبة العصرية

صيدا - بيروت

الطبعة الأولى

1401 هـ - 1982 م

###3### النفس

إن فهم النفس الإنسانية جزء من فهم الإنسان، والنفس الإنسانية من أجل ذلك، لها مفهوم مختلف في كل ثقافة وكل نظرية اجتماعية وكل فلسفة، وموقف الإسلام منها شأنه في موقفه من الإنسان: من أرحب هذه المناهج نظرة، وأوسعها أفقًا، وأعرفها بميول الإنسان وغرائزه ورغباته، وأكثرها للنفس تحريرًا ودعوة إلى الخير والهدى، والارتفاع عن الدنايا، ولا ريب من أجل ذلك، يقال: إن للإسلام علم نفس خاصًا مختلفًا عن المفاهيم التي طرحتها بعض النظريات التي قامت على الخطيئة والخلاص وإذلال النفس بتحريم الطيبات، وكراهية الرغبات، وسد باب الغرائز، ثم إن هذه المفاهيم الإسلامية - في مجموعها - تختلف عما يطلق عليه في العصر الحديث:"علم النفس"الذي هو - في حقيقته - ###4### مجموعة من العقائد التلموذية مصاغة في أسلوب له طابع علمي خادع.

ولا ريب أن فيما طرح من أفكار ونظريات نفسية عن طريق المدارس المختلفة الموجودة الآن حقائق وأخطاء، وتصورات صحيحة وفاسدة، وفرضيات قد تصدق في بعض المجتمعات، ولا تصدق في البعض الآخر غير أن الأصول الأصيلة لمفاهيم"النفس"إنما هي ميزات النبوة، وما قدمه القرآن، وصاغه العلماء المسلمون مما لا زال هو خير ما هنالك.

فلقد قدم علماء المسلمين مجموعة من الأصول العامة لفهم النفس الإنسانية، تمثل نظرة الإسلام الجامعة الكاملة المتوازنة القائمة أساسًا على المجاهدة والكظم في مواجهة الرغبات المذلة، والتماس الفطرة، والإعتدال في الرغبات المباحة.

ولقد جعل الإسلام معرفة النفس سبيلا إلى إصلاحها وإلى تهذيب الأخلاق، وكلمة: (اعرف نفسك) التي تطرحها الفلسفات الوافدة كلمة مضلة، فإن الإنسان لا يعرف نفسه إلا إذا عرف ربه، ولذلك كانت القاعدة الإسلامية الأولى:"اعرفوا ربكم، تعرفوا أنفسكم"ومن عرف ربه ###5### جل، ومن عرف نفسه ذل، وتهذيب الأخلاق لا يتأتى إلا بمعرفة عيوب النفس التي ينبغي على الإنسان أن يتجنبها حتى يسير في"الطريق المستقيم"، فلكي يرى الإنسان النفس عليه أن يراقب سلوكها الظاهر.

يقول ابن عباس: إن في ابن آدم نفسًا وروحًا بينهما مثل شعاع الشمس، والنفس هي التي بها العقل والتمييز، والروح هي التي بها النفس والتحرك، إلا أن النفس والروح يتوفيان عند الموت في حين أن النفس وحدها هي التي تتوفى عند النوم.

ويتبع هذا المعنى: أن النفس ليست بجسم، وإنما هي من الجسم بمثابة العرض من الجوهر، كما أنها هي الحياة، التي بها يصير البدن حيًا بوجودها فيه، وأن البدن هو صورتها ومظهرها: مظهر كمالاتها وقواها في عالم الشهادة.

ويفسر الإمام الغزالي مظاهر سلوك الإنسان بأربع دوافع أساسية: هي شهوة الطعام، والجنس، والمال، والجاه. وأساس هذه الدوافع كلها غريزة الطعام، إذ تتفرغ الرغبة الجنسية، وحب المال والسلطان منها، ويسمي الغزالي هذه الغريزة البطن.

ويقول: إن الاعتدال هو الميزان الصحيح لجمي أنواع السلوك، والخروج عن حد الاعتدال إلى الإفراط أو التفريط، ###6### هو مصدر الأمراض النفسية، والعلاج هو العودة إلى الاعتدال الواجب.

والغاية من كل سلوك: معرفة الله ومراعاة ما أمر به في كتابه ليهتدي الناس إلى الصراط المستقيم واتباع سبل التقوى.

والغريزة الجنسية - عند الغزالي - ركبت لفائدتين: اللذة وبقاء النسل، ومع ذلك فإن اللذة ليست مطلوبة لذاتها، أو لبقاء النسل، بل لشيء آخر أسمى وأرفع، هو أن يدرك الإنسان لذاته، فيقيس لذات الآخرة، والغزالي يرى أن للشهوة مراحل ثلاثًا: إفراطًا وتفريطًا واعتدالا.

فالإفراط ما يقهر العقل حتى يصرف همة الرجل إلى الاستمتاع بالنساء والجواري، فيحرم من سلوك سبيل الآخرة، أو يقهر الدين حتى يجر إلى اقتحام الفواحش، والتفريط في هذه الشهوة، هو الضعف، وهو مذموم، أما المحمود، فهو أن تكون معتدلة ومطابقة للعقل والشرع.

ورسم الغزالي لعلاج هذه الشهوة أمورًا ثلاثة هي:

1-الجوع. 2- غض البصر. 3- الاشتغال بشيء يستولي على القلب.

وإذا نظرنا في مفاهيم علم النفس المطروحة الآن، نجد أن فرويد رد السلوك الإنساني إلى الغريزة الجنسية، وأن ادلر رد ###7### السلوك الإنساني إلى غريزة السيطرة، وأن الغزالي رد السلوك الإنساني إلى: شهوة الطعام، ومن شهوة الطعام إلى سائر الشهوات. وكان ذلك شأن النظرة الإسلامية في كل الأمور، فهي أوسع أفقًا وأقدر على معرفة الأبعاد المختلفة للشخصية الإنسانية.

والإسلام ينظر إلى النفس الإنسانية في إطار"التوازن"بعيدًا عن طرفي الزهادة والإباحة، فهو يعارض الإسراف والجمود معًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت