الخلافة الإسلامية
الأستاذ أنور الجندي
عندما أسقطت الخلافة الإسلامية عام 1924 م، كان مخططًا خطيرًا قوامه النفوذ الأجنبي والصهيونية والشيوعية الذي كان قد بدأ في إعداد هذا العمل سرًا منذ أكثر من مائة عام، من خلال جماعة الدونمة. (اليهود الذين هاجروا من الأندلس عام 1492 م وأقاموا في سالونيك ودخلوا في الإسلام تقية) التي عملت بالاشتراك مع جماعة الاتحاد والترقي وتركيا الفتاة والمحافل الماسونية، على تنفيذ هذا المخطط تحت شعار"القضاء على دولة الرجل المريض"، خاصة بعد أن حمل (السلطان عبد الحميد) لواء الدعوة إلى"الجامعة الإسلامية"بمعنى أن ينضوي تحت لواء الخلافة الإسلامية جميع المسلمين في العالم - وليس فقط العرب والترك.
ومن هنا كانت خطواته إلى القضاء على الفرقة التي عمقها الاستعمار بين الترك والفرس، وكانت الدعوة إلى الجامعة الإسلامية في ظل الخلافة العثمانية الإسلامية، أمر بالغ الخطورة، جوبه في الغرب من القوى الثلاث بمؤامرات ضخمة، امتدت قرنًا كاملًا: على النحو الذي صوره بها وزير إيطالي منصف: تحت عنوان"مائة مؤامرة على الدولة العثمانية)."
ومن هنا يتبين أن (الخلافة الإسلامية) لم تسقط بجرة قلم عام 1924 م عندما ألغاها مصطفى كمال أتاتورك، وإنما يمكن أن يقال أن هذه كانت آخر خطوة في مؤامرة ضخمة واسعة النطاق امتدت سنوات طويلة وشاركت فيها قوى كثيرة ذات مصلحة في تمزيق العالم الإسلامي، مثل إنجلترا وفرنسا، ومنها ما كان يهدف إلى الوصول إلى فلسطين وقلب القدس كالصهيونية العالمية، وليس أدل على ذلك من مساعدة الشيوعية الروسية في تلك المعونة الضخمة التي قدمتها لحكام تركيا بعد إسقاط الخلافة.
ولنعلم أن المحاولات التي جرت عام 1908 م لإسقاط السلطان عبد الحميد كانت هي المقدمات الحقيقية لإلغاء الخلافة، فقد كانت فكرة عبد الحميد كما ذكرنا أن يمتد نفوذ الخلافة فيشمل عالم الإسلام كله ولا يتوقف عند حدود الدولة العثمانية، وقد أخذ عبد الحميد بهذه الفكرة كخطة حاسمة لمواجهة محاولات الغرب.
قوة تواجه زحف الطامعين:
ومنذ أن تولى عبد الحميد، ورأى انتفاض البلقان على الدولة، ركز على دولة إسلامية جامعة تحمل لواء الوحدة الإسلامية، وتضم مختلف المسلمين، الذين هم خارج الزحف الغربي الطامع إلى تمزيق أديم عالم الإسلام والسيطرة عليه. ولما نجحت الخطة وكادت تؤتي أكلها، والتقى شيعة إيران مع سنة تركيا لأول مرة، بعد أن حفر الاستعمار بينهما خندقًا عميقًا منذ ثلاثة قرون أو تزيد، عجل الاستعمار والصهيونية بالقضاء على عبد الحميد خاصة، لموقفه الحاسم في الحيلولة دون وصول اليهود إلى فلسطين.
والمعروف أنه لما ظهرت حركة الاتحاد والترقي داعية لتغريب تركيا. احتضنتها المحافل المساونية، وحولتها من خطة إصلاح عثمانية داخل الدولة الإسلامية الكبرى إلى خطة تغريبية عنصرية، تحمل لواء (الطورانية) وتدعو إلى تتريك العرب ودفعهم إلى التماس مفهوم الماسونية في الثورة الفرنسية والاستجابة له.
وبذلك كانوا جمعًا غريبي الفكر، وكانت مفاهيم القوميات والإقليميات والطورانية والعنصرية، قد سيطرت على فكرهم واستهدفت الانفصال عن المفهوم الإسلامي والكيان الإسلامي. وقد ظلت الفكرة في حضانة الدونمة والماسونية منذ بدأت، حتى استطاعت أن تصرع الوحدة الإسلامية الجامعة بانتزاع عبد الحميد من مكان القيادة - باعتباره صاحب مبدأ الوحدة الإسلامية.
ثم جاء الاتحاديون فأقاموا عهدًا أسود في تركيا منذ 1908 م حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، ثم لبسوا ثوبًا جديدًا أسموه (الكمالية) وهو امتداد لهم أشد خطرًا وأعمق أثرًا، جاء بعد أن كسبوا من نصر باسم الإسلام، ثثم استداروا عليه استدارة كاملة بعد أن كان هو الورقة التي حققوا بها النصر.
وجه كالح صريح:
وقد وردت في المواثيق التي كشف أمرها أخيرًا موافقتهم على خلع الإسلام واللغة العربية والمحاكم الشرغية وملابس الإسلام وشريعته ثمنًا لتخليصهم من الاحتلال البريطاني واليوناني، وكان إعلان ترميا دولة علمانية كفيلًا بأن يحقق لها رضاء الغرب وتسليمه وتحريره.
فقد انفصلت تركيا عن الأمة الإسلامية واندمجت كليًا في الغرب العلماني، وسرعان ما حققت الأمل الذي طالما طاف بأحلام العرب - روسية وإنجليزية وفرنسية ويهودية - وهو أن يقضي مسلم بيده على خلافة الإسلام.
ولكن أتاتورك لم يكن مسلمًا في حقيقته وإنما كان من الدونمة - التي تخفت تحت صورة الإسلام لتحقيق كل ما استطاعت أن تحققه في تركيا، وكان همه الأكبر"إسقاط الخلافة"وفي سنوات قليلة من 1918-1924 م تحولت دولة غربية علمانية تحكم بقانون نابليون، وتزيح بكلتا يديها ذلك التراث العظيم - تراث الإسلام - وتقاوم ودعاته ومؤسساته.
وهكذا سقطت الخلافة بمؤامرة مشتركة بين اليهود الدونمة والاتحاديين الكماليين، والقوى الاستعمارية الغربية وروسيا.
استبداد دموي: