فهرس الكتاب

الصفحة 6948 من 27345

وما أسقطت الخلافة بأسلوب الإقناع والتغيير النفسي والفكري، ولكن بأسلوب من العنف والقتل والاستبداد والظلم، الذي قامت به (ثلة) أعدت لها وخططت لذلك في مرحلتين طويلتين منذ 1909 م إلى 1918 م باسم الاتحاديين، ومن بعدها إلى عام 1924 م باسم الكماليين، وهما - في الحقيقة - شيء واحد استطاع في أول الأمر أن يفتح الباب للصهيونية العالمية إلى فلسطين، بعد أن استعصى ذلك عليها طويلًا أيام السلطان عبد الحميد، وأسلمت طرابلس الغرب للإيطاليين، ودفعت الدولة العثمانية إلى أن تكون وقودًا في الحرب العظمى دون داع، حتى تنفصل عنها الشام والعراق وحتى تسلم فلسطين لليهود.

وحاولت الصحف الموالية للتغريب تصوير المسألة بصورة كاذبة مضللة وأن تجعل الاتجاه عنوانًا على التقدم، حتى خشي شيخ الإسلام - الذي أخرجوه وأقام في منصر آنذاك - من هذا التحول المحاط بهالة كاذبة من التكريم حين قال سماحة الشيخ مصطفى صبري: إنني أخاف أن تسعد بلاد تركيا وترقى بهذه الإدارة الحديثة اللادينية رفيهًا دنيويًا - وإن كان ذلك في غاية البعد والاستحالة - فيفتتن بها المسلمون الذين قلما سلموا من أن يعجبوا بها وهي توغل في سبيل الإفلاس والإندراس.

وإنما نقول للشيخ من وراء القبر: إطمئن فإن تركيا لم تسعد وأن التجربة لم تحقق أي نجاح، ولم تتقدم تركيا عن الدول الأخرى بل لعلها ما زالت تقاسي من جرائرها وأن جيلًا جديدًا نشأ على الإسلام ويجاهد في سبيله.

حملة ظالمة:

إن أكبر ما غذيت به حملة إسقاط الخلافة كانت تلك التصورات الباطلة التي نسب إلى السلطان عبد الحميد الظلم والاستبداد، بينما كان كل ما يحاول عبد الحميد قمعه والحيلولة دونه هو سقوط الدولة العثمانية في براثن القوى الصهيونية والاستعمارية، التي كانت تريد التهامها وتقسيمها، وتسليم فلسطين لليهود ومن أجل ذلك استحق الخلع واستحقت الخلافة الإزالة، بأيدي من تسموا بأسماء المسلمين، وفي مقدمتهم مصطفى كمال الذي كان يدعي أنه مسلم، ويدعو المسلمين إلى الدعاء له بالنصر، حتى إذا ما وجد فرصته ضرب ضربته وسط دهشة العالم الإسلامي كله وعجبه.

وفي الحقيقة أن الخلافة لم تكن مصدر إنحطاط تركيا ولا العالم الإسلامي، ولم يكن أسلوب تعديلها هو إزالتها أو فصل السلطة عن الخلافة كما فعلوا أولًا ليخدعوا الناس يومئذ، إن كان ذلك مقدمة للقضاء النهائي عليها.

وقد كانت هناك مشروعات كثيرة للإصلاح لو خلصت النيات وحسن الاتجاه إلى الإبقاء على وحدة العالم الإسلامي وقيام خلافته.

وإذا كانت هناك قياسات لما وصف بع عبد الحميد من تسلط واستبداد فأين منه ما قام به الاتحاديون والكماليون.. الذين باعوا آخرتهم بدنياهم..؟؟. وهو ما لم يفعله الخلفاء قط، وبينما وقف الأعزل عبد الحميد أمام قوى الصهيونية العالمية، وهي تغريه بالملايين وهي تعرف مؤامراتها وتقودها، وقد وقف صامدًا لا يلين.

تمزيق الوحدة الإسلامية:

ولقد كان من وراء إسقاط الخلافة الإسلامية أهداف كثيرة، كان أكبرها هذا الشمل الذي جمعته الوحدة الإسلامية بين مسلمي العالم، وتفريق هذا الجمع الذي ربطته الدولة العثمانية ليسهل توزيعه واحتواؤه، وتقديم فلسطين والقدس لقمة سائغة للصهيونية التي كانت وراء الربا العالمي منذ عصور بعيدة، عاملة على تقريب المسافات إلى تحقيق الغاية، من وراء الاستعمار الغربي.

ومن أهدافنا محاولة حجب حقيقة الإسلام الجامعة بين الدين والدولة والقائمة على أساس أن الإسلام"دين ونظام مجتمع"وإثارة الشبهة حوله بتصويره دينًا لاهوتيًا - على النحو الذي صوره به الكماليون في تركيا وعلي عبد الرازق وجماعة اللادينيين في البلاد العربية.

خيبة الأمل في تمزيق المسلمين:

وإذا كان الهدف الأول قد تحقق لأنه داخل في نطاق مرحلة الضعف التي أرخت قبضة المسلمين عن حقوقهم ووممتلكاتهم وسلطاتهم، فإن الهدف الثاني لم يتحقق بعد. لأن المسلمين سرعان ما تنادوا إلى الوحدة في محاولة لإحتواء الخطر، وذلك بالرغم مما طرحه التغريبيون من مفهوم غير أصيل عن أن الإسلام دين عبادي، وأن الخلافة والحكم لم تكن من أسس الإسلام.

بل إن عددًا كبيرًا من المستشرقين الغربيين اعترف بأن الإسلام ليس دينًا فحسب بل هو نظام سياسي واجتماعي أيضًا.

يقول فيتزجرالد في كتابه قانون المحمديين (1) : على الرغم من أنه قد ظهر في العهد الاخير، بعض أفراد من المسلمين ممن يصفون أنفسهم أنهم عصريون، يحاولون أن يفصلوا بين الناحيتين، فإن صرح الفكر الإسلامي كله قد بني على أساس أن الجانبين متلازمان ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.

وشهد بذلك (تلينو) الذي قال أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أسس في وقت ما دينًا ودولة، وكانت حدودهما متطابقة طوال حياته.

وذلك ما عبر عنه (شاخت) حين قال: على أن الإسلام يعني أكثر من دين، أنه يمثل أبدًا نظريات قانونية سياسية وجملة القول أنه نظام كامل يشمل الدين والدولة معًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت