فهرس الكتاب

الصفحة 17880 من 27345

اتخذ الطعن في السنة أشكالًا متعددة، وطرقًا متنوعة، فتارة عن طريق الطعن في حجيتها ومكانتها، وتارة عن طريق الطعن في الأسانيد والتقليل من شأنها، وتارة عن طريق الطعن في منهج المحدثين في النقد والجرح والتعديل، وتارة عن طريق الطعن في المرويات بالتشكيك فيها وادعاء التناقض والتعارض بينها، إلى غير ذلك من مطاعن سبق الحديث عنها في مواضيع سابقة.

ومن تلك الوسائل التي اتخذها أعداء الإسلام للطعن في السنة وإسقاط الثقة بها، الطعن في حَملة الأحاديث ورواة السنن من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى شككوا في عدالة الصحابة عمومًا، وكالوا التهم والافتراءات لبعضهم على وجه الخصوص، وغرضهم من ذلك تقويض صرح الإسلام، وزعزعة الثقة بأصوله، فإن الصحابة - رضي الله عنهم - هم الذين أبلغونا هذا الدين، وإذا زالت الثقة عنهم أصبح كل الذي بين أيدينا مشكوكًا فيه، ورحم الله الإمام أبا زرعة الرازي حين قال:"إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى،، وهم الزنادقة"أهـ.

فقد نسب المستشرقون الوضع في الأحاديث إلى رجال الإسلام القدامى، ويعنون بذلك جيل الصحابة، يقول المستشرق اليهودي"جولد زيهر":"ولا نستطيع أن نعزو الأحاديث الموضوعة للأجيال المتأخرة وحدها، بل هناك أحاديث عليها طابع القدم، وهذه إما قالها الرسول أو هي من عمل رجال الإسلام القدامى"، ثم قال:"وقد اعترف أنس بن مالك الذي صاحب الرسول عن قرب عشر سنوات، عندما سئل عما يحدث عن النبي هل حدثه به فعلًا فقال:"ليس كل ما حدثنا به سمعناه عن النبي ولكننا لا نكذب بعضنا"."

وطالب من تبعهم من المستغربين بعدم تمييز الصحابة عن غيرهم، ووضعهم في ميزان النقد والجرح والتعديل كما يوضع غيرهم.

فقال"أبو رية"في كتابه"أضواء على السنة المحمدية": إنهم - أي العلماء - قد جعلوا جرح الرواة وتعديلهم واجبًا تطبيقه على كل راوٍ مهما كان قدره - فإنهم قد وقفوا دون عتبة الصحابة فلم يتجاوزوها، إذ اعتبروهم جميعًا عدولًا لا يجوز عليهم نقد، ولا يتجه إليهم تجريح، ومن قولهم في ذلك:"إن بساطهم قد طوي"، ومن العجيب أنهم يقفون هذا الموقف على حين أن الصحابة أنفسهم قد انتقد بعضهم بعضًا"."

وقال أيضًا:"إذا كان الجمهور على أن الصحابة كلهم عدول، ولم يقبلوا الجرح والتعديل فيهم كما قبلوه في سائر الرواة، واعتبروهم جميعًا معصومين من الخطأ والسهو والنسيان، فإن هناك كثيرًا من المحققين لم يأخذوا بهذه العدالة المطلقة، وإنما قالوا كما قال العلامة المقبلي: إنها أغلبية لا عامة، وأنه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من الغلط والنسيان والسهو، بل والهوى، ويؤيدون رأيهم بأن الصحابة إن هم إلا بشر يقع منهم ما يقع من غيرهم، مما يرجع إلى الطبيعة البشرية، وأن سيدهم الذي اصطفاه الله صلوات الله عليه - والله أعلم حيث يجعل رسالته - قد قال: (( إنما أنا بشر أصيب وأخطئ ) )، ويعززون حكمهم بمن كان منهم في عهده صلوات الله عليه من المنافقين والكاذبين، وبأن كثيرًا منهم قد ارتد عن دينه بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى، بله ما وقع من الحروب والفتن التي أهلكت الحرث والنسل، ولا تزال آثارها ولن تزال إلى اليوم وما بعد اليوم، وكأن الرسول صلوات الله عليه قد رأى بعيني بصيرته النافذة ما سيقع من أصحابه بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فقال في حجة الوداع:" (( لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ) )، وروى البخاري عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إنكم تحشرون حفاة عراة، وإن ناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي، أصحابي، فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم} (المائدة 117) ."

وقال"أحمد أمين"في"فجر الإسلام":"وأكثر هؤلاء النقاد - أي نقاد الحديث - عدلوا الصحابة كلهم إجمالا وتفصيلًا، فلم يتعرضوا لأحد منهم بسوء، ولم ينسبوا لأحد منهم كذبًا، وقليل منهم من أجرى على الصحابة ما أجرى على غيرهم إلى أن قال: وعلى كلٍّ فالذي جرى عليه العمل من أكثر نقاد الحديث - وخاصة المتأخرين - على أنهم عدلوا كل صحابي، ولم يرموا أحدًا منهم بكذب، ولا وضع، وإنما جرحوا من بعدهم"، وقال في موضع آخر:"ويظهر أن الصحابة أنفسهم في زمنهم كان يضع بعضهم بعضًا موضع النقد، وينزلون بعضًا منزلة أسمى من بعض، فقد رأيت قبل أن منهم من كان إذا روي له حديث طلب من المحدثين برهانًا"أهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت