فهرس الكتاب

الصفحة 20621 من 27345

د. زينب بيره جكلي

ما أعذب هذه الآيات، وما أحيلى هذه النغمات !!...

كلمات خطرت على بالي ، وكان لها أثر في سلوكي

كنت أسير في زحام السوق وسط ضجيج الحياة في يوم صيفي لاهب ، وأنا متعبة منهكة ، حيث الجو مليء ببخار الماء حتى كاد يحبس الأنفاس ...

دخلت إلى دكان لآخذ منه متاعا ، ولأستروح منه نسمة ... وقلت وأنا أشتم برد الهواء بلهفة الحران الظمآن: اللهم ارزقنا الجنة ... وانتبهت في هذه اللحظة إلى صوت شجي رخيم يتلو من سورة النور قوله تعالى:"في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال. رجال لاتلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار .ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب"

أخذتني رعشة خفيفة وأنا أسمع قوله تعالى ( تتقلب فيه القلوب والأبصار ) وسألت نفسي: أين تتقلب القلوب وأين تتوجه الأبصار ؟ وأي جحيم لاهب ترهبه ؟وأية مهلكة ومفازة تحاول الفرار منها ؟ وأي مدَّخل سيؤويها ؟ منذ قليل كنت أريد هواء باردا والقلب يخفق من شدة الحرارة ؟ وحرارة جهنم أشد وأمر ويوم القيامة خمسون ألف سنة !! يا ويلتاه ... يوم واحد هو في حساب الزمن الدنيوي مليون وربع مليون سنة ... أهذا اليوم عنه محيد ؟ أنا في السوق اللاهب وهؤلاء حولي رجال تلهيهم تجارة وبيع عن ذكر الله ، دنيا أخذت الناس بزخرفها ومتاعها، وأنا ... ألست من هؤلاء الناس ، ألهتني الدنيا بأمر وأمر بل وأمور ...

وأخذت أفكر في بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ليذكر فيها اسمه، وسط ضوضاء التجارة وزخم السوق ،في الغدو والآصال ،و ...الله يرزق من يشاء بغير حساب ...

يا إلهي ... قدمت إلى السوق لأبتغي متاعا من المتاع، وها أنذا أحمل في قلبي زادا وأي زاد !!...الرزق هنا في التقوى ، ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لايحتسب .... وانتبهت من شرودي و مناجاة نفسي إلى صوت المؤذن يرفع لأداء صلاة الظهر ...

الله أكبر ...الله أكبر ...

وقال لي صاحب الدكان: مالك يا أخت لاتشتري وهذا الأذان قد أذن ، سأذهب للصلاة ...

نعم هذا رجل خاف من تقلب القلوب والأبصار وسيذهب إلى بيوت الله ليذكر فيها اسمه ... هذا امرؤ لم تلهه تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ،لأن الله يرزق من يشاء بغير حساب ...

خرجت من الدكان وأن أفكر كيف أنقذ نفسي من حرارة جهنم في يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار ...

وخطرت لي فكرة ... وما أعظمها من فكرة !!...

لقد رزقني الله سبحانه من فضله حياة ستين سنة، وأنا أتقلب على الفراش الوثير ، والنعمة والدلال ، وبين العلم والتعليم و الرسول صلى الله عليه وسلم قال ( أعمار أمتي في الستينات ...) إذا ماذا أنتظر ؟

ونمت القيلولة ... بل كنت بين الحلم واليقظة ، وتراءت أمامي صور وصور جنة فسيحة ، وشلالات مياه ، وبلابل تمرح وتغرد ، وأرض خضراء فسيحة ، وفي أعلى مكان من هذا البستان البديع قصر منيف ، وأنا أقرأ قوله تعالى ( ألم يجدك يتيما فآوى ؟ ووجدك ضالا فهدى ؟ ووجدك عائلا فأغنى ؟ فأما اليتيم فلا تقهر . وأما السائل فلا تنهر . وأما بنعمة ربك فحدث )

يا إلهي ... هذه إذا المنجاة من يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار ... فلم لاأكفل يتيما و أرفع بيتا من بيوت الله فأحدث بذلك عن نعمة ربي بشكره ؟ ويتلى في بيت الله القرآن الكريم الذي هدتني آياته الجليلات ، ويعلم فيه الصغار فتتحرك قلوبهم كما تحرك قلبي بذكر الله ؟ ولعل واحدا من هؤلاء ينفع المسلمين أي نفع ...

واتصلت بدار خيري تبني المساجد ...وقال لي:

-خمسة عشر ألفا لبناء مسجد من الخشب ، وخمسون ألفا لبنائه من الحجارة ...

-لا أريده من الخشب بل من الحجارة فهي أبقى على مر الزمن ...

-جزاك الله يا أخت خيرا ، فمن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة .

-ودفعت المبلغ سعيدة بما قمت به

-ومرت أيام قليلات ... ورن الهاتف ...

-بشراك يأ أخت

-ماذا ؟

-لقد رأيت اليوم في منامي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يشير إلى قصر بديع ويقول لي: أخبري فلانة وذكر اسمي ومهنتي أن هذا القصر لها .

-أحقا ما تقولين ؟

-أجل يا أخت

- ( والله يرزق من يشاء بغير حساب ) هذا هو الرزق العظيم والله عليم بالقلوب وعلام الغيوب ...

-ودمعت عيناي ولهج قلبي قبل لساني بشكر المولى على نعمائه وسجدت شكرا لله ، وعزمت على بناء مدرسة ومسجد ...

-وهأنذا في طريقي لشراء أرض مناسبة وقلبي يرجو المولى أن يحقق لي هدفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت