ومحاولات الطمس اليائس ياسين الكليم*
من الادعاء العريض مقال د. هشام عثمان؛ ذي الحلقتين، والمنشور في صحيفة السوداني بتاريخ 15/16 من الشهر الجاري..
والادعاء العريض تمثل أول ما تمثل في العنوان الذي اختاره له؛ حيث اسماه (حركات الإسلام السياسي.. المسار التاريخي، ومآلات المستقبل) .. وعندما تجوس ببصرك خلال المقال لا تجد مسارًا تاريخيا تتبعه بالدراسة والملاحظة، كما تعجز أن تتعرف أين كتب الدكتور -صاحب الادعاء- مآلات المستقبل لحركات الإسلام السياسي؟!.. والمقال بمجمله محاولة (دلالة فاشلة) لتسويق تجارة بائرة عافها الناس من عقود، وقد أسماها الدكتور -أو (الدلال) - الفكر الحر.
يبدأ صاحبنا مقاله بادعاء لم يجرؤ عليه حتى مثقفو المارينز -كما يحلو للأستاذ الطيب مصطفى تسميتهم به-، وبفم عريض يسنده قفا عريض جدًا يقول: (إن الإسلام السياسي -بتعدد أطيافه، وبتباين روافده وتياراته- لا يعدو كونه ظاهره تاريخية؛ أقصى سقف لمردودها الإنساني هو أدلجة المصالح الوقتية للشرائح المرتبطة بالظاهرة ارتباطًا تاريخيًا ووجدانيًا وإنسانيا.. هي مجرد ظاهرة لا تدخل في عداد المناهج الفكرية ذات الطبيعة المدرسية) .. هذه لم يجرؤ عليها صاحب صراع الحضارات، ولا برنارد لويس كبير المستشرقين الأمريكيين؛ ولكن (الدلال) يفعل!!..
اختار الدكتور المنهج التاريخي -كما قال- لدراسة الظاهرة، ولكن مقاله خلا تماما من تتبع تاريخي لمسيرة (صيرورة) حركات الإسلام؛ بل شغل نفسه بعرض أفكار الإمام حسن البنا، والأستاذين عبد القادر عودة، والسيد قطب، وأكثر ما شغل به نفسه النقد لأفكار سيد قطب، وتحليل دوافع الأستاذ، وليت الدكتور ترك ذلك -ليس إشفاقا مني على الأستاذ سيد؛ ولكن رحمة بشهادة الدكتوراة التي يحملها الكاتب؛ ألا تحمل بحقها- فالكاتب يستند في مقاله على معلومات (سماعية) استقاها الكاتب -حسبما بدا لي من مقاله- من جلسات أُنس و (ونسات) وليس من اطلاع -حتى ولو عابرا-؛ فهو يقول: (وكان لسيد قطب فضل نقل كتاب أبي الحسن الندوي(ماذا خسر العالم بتخلف المسلمين إلى العربية ) ) .. إي والله؛ هكذا قال؛ فلا سيد هو الذي ترجم الكتاب، ولا الكتاب اسمه هكذا كما ظن الكاتب؛ فاسم الكتاب الصحيح (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) .. والكتاب من كتب السيد الندوي القلائل التي كتبها بالعربية مباشرة؛ أي ليس له مترجم أصلًا لا سيد ولا غيره.. و الكاتب الدكتور لا يعرف حتى أسماء كتب سيد الذي انبرى يناقش أفكاره؛ فهو لا يعرف حتى الاسم لأشهر كتب للأستاذ (العالِم) ، وهو يخلط -لاستقائه أفكاره من الونسات- بين أبي الأعلى المودودي، وأبي الحسن الندوي؛ حيث يشَبّه الدارسون -عادة- فكر سيد قطب بفكر أبي الأعلى المودودي؛ وليس بفكر الندوي..
ويمضي بعيدًا ويقول: إن أبا الحسن الندوي كان يفترض الجاهلية في العالم العربي.. والتقط سيد قطب هذه الفكرة).. وأبو الحسن لم يتكلم عن جاهلية العالم العربي، وخسرانه من انحطاط المسلمين؛ ولكن تكلم عن خسارة العالم والإنسانية من انحطاط المسلمين وتخلفهم عن مستوى دينهم، وانخذالهم عن مسؤولياتهم؛ ولكن لو علم الدكتور أن المعلومات لا تؤخذ هكذا دون تمحيص وتوثيق لأرحنا كثيرًا، وإن اختلف مع الإسلاميين في مشارق الأرض ومغاربها؛ ولكن هذا جزء من أزمتنا الراهنة؛ أسماء علمية دون مسميات: (ألقاب مملكتي في غير موضعها ** كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد) .
ولم يجد الدكتور تفسيرا لفكر سيد قطب إلا أنه فكر أزمة؛ وهو -للأمانة- تفسير سبقه فيه أناس حتى من الإسلاميين، ولكنه تفسير لا يثبت عند المناقشة العلمية؛ فهل يتصور أن الجدران تغير فكر رجل انتدب نفسه لتغيير العالم؟!.. قد يقول البعض: قد تفعل.. نعم ولكن هل هناك من يظل على فكره ومنهجه؟! قطعا الإجابة: نعم.. واتهام أحد بتأثير السجن عليه يحتاج إلى دليل، ولم يقدم الكاتب دليلا، وأقدم له دليلًا ساطعا على تعادل أطراف نفس الأستاذ سيد؛ وهو بيت من الشعر جادت به قريحة سيد عندما رأى يد أحد من إخوانه تلوح له بالتحية من وراء الجدران: (أخي إن زرفت عليّ الدموع ** وبللت قبري بها في خشوع .. فأوقد لهم من رفاتي الشموع ** وسيروا بها نحو مجد تليد) ..