سالم بن عبد الرحمن السيف 4/7/1423
.. . مع كل إشراقة شمس صبيحة كل يوم، ومع أول فنجان قهوة صباحي تحتسيه إبّان قراءتك صحيفتك اليوميّة المفضلة لا تفتأ تجدُكَ تُطالع ، طولًا وعرضًا ، مقالات الأعمدة بشتى صنوف ( الاعتراضات ) ووسائل الانتقاد للوضع الآني السياسي أو الحكومي أو التعليمي وكافة الأصعدة .. وترى وتسمع على شاشات التلفاز والقنوات الفضائيّة عن أحزاب"معارضة"ومناوئة للنظام الحاكم في البلاد ، وعن التوجهات اليمينية واليساريّة المتطرفة ، بأشكال ومظاهر متعددة تبيّن مدى رسوخ النزعة الاعتراضية في الأوساط كلها، السياسي والاجتماعي والديني ! .
تتيح مساحات ديموقراطيّة الرأي والتعبير فرصة للأقلام والآراء والأصوات لطرح الانتقادات والاعتراضات لآراء معيّنة وربما"تمجيد"آراء وقرارات أخرى صادرة - القويمة منها والسقيمة- ، ولا يخفى أثر ذلك سلبًا أو إيجابًا .
هذه الحريّة إضافةً إلى تنوع الثقافات والاختلاف في زوايا النظر من ذوي الأقلام والمحاور الإعلامية ؛ جميعها صانع رئيس لتعدد الاتجاهات الباعثة للاعتراض والشجب ، يضاف إليها أحيانًا شيء من الحوافز ( الذاتيّة ! ) الدافعة للاعتراض من بحث عن المواجهة والمضادة وحب الظهور والوقوف ندًا للتيّار ، تناقش القرارات وتضعها على شريحة المجهر ، والمأساة هنا هي لِذة الشعور بالأهميّة والمقارنة، وتغييب الواضحات في سحائب جدليّة كبادرة للخوض في دوّامة حركية جدلية تلبث ثم لا تتمخّض إلا عن"فئران !"، تحت أسلوب دقيق متطور يسمى ( الاعتراض لأجل الاعتراض ، والنقد لذات النقد!) يرمي إلى خلق دوائر حواريّة هي غاية بذاتها لا ما ينتج عنها ، تكون- بقصد أو دونه - وغالبًا ما تنشط أيام الأزمات !
ومما لا شكّ فيه أثرُ هذا السلوك الاعتراضي على نفسيّة المجتمع ، وتشتيت وحدة أفكاره، وجذبه نحوَ الصلابة والمقاومة وبث روح الاعتراض في أوصاله ، لا تكون في الغالب إلا لأجل أهداف تصب في إناء المصلحة العامّة !
وهذا أيضًا ، مما يُفقد القرارات المُتخذة لصالح العامّة والمجتمع وزنها ويضعها في مواقف حرجة ويسخر من متانة دعائمها ..
ومن المشاهد المتكررة أخيرًا من أمثلة"اعتراضية"ما يتولاّهُ المتشدّقة بمعارضة"المقاطعة للمنتجات الأمريكية واليهودية"والتي لم يُرَ حتى الآن أية جدوى ملموسة - المعارضة لا المقاطعة ! - لهذه الفكرة الوليدة التي استعجل نتاجها وثمرتها !
نعلم ، وتعلمون ، ما ذُكرَ في مُحكم الكتاب في قصّة اعتراض بني إسرائيل كبادرة تُضاف إلى سجلّهم الحافل بالاعتراضات ، فقد جاء على لسانهم ( لن نصبرَ على طعامٍ واحدٍ ، فادعُ لنا ربّك يُخرج لنا مما تُنبتُ الأرضُ من بقلها وقثّائها وفومها وعدسها وبصلها… الآية ) فاستنكر نبي الله موسى - عليه السلام- مقولتهم بأن أجاب ( أتستبدلون الذي هوَ أدنى بالذي هو خير ، اهبطوا مِصرًا … الآية ) .
وعلى الضفّة الأخرى من النهر .. نجد مثالًا قدوةً في التسليم والطواعية مُتمثّلا في أخذهِ - عليه الصلاة والسلام - بمشورة"سلمان الفارسي"- رضي الله عنه - في الحرب والرأي العسكري المُسدّد في حفرِ خندقٍ تُطرّز بهِ حوافُّ المدينة حصنًا من الأحزاب ، الأمر الذي كان خليقًا بالاعتراض من جانبه -عليه الصلاة والسلام- ومن جانب كبار الصحابة -رضوان الله عليهم- فيهم أبو بكرٍ وعمر . . لما فيه من بدعةٍ مُستحدثة لم تجرِ عليها عادة العرب في حروبهم ، ولكنها الفكرة والرأي الحصيف الذي يجد"خصوبةً في الأرض"فينتج"نضجًا"في التنفيذ ! .
يولدُ هاهنا تساؤلٌ: متى يكونُ المجالُ"مفتوحًا"للاعتراضات ومتى - لا نقول"محظورًا"- ولكن"محذورًا"؟
هذا السؤال وأمثاله يجيب عليه الوضع والبيئة الحوارية والحضارية ومدى"خصوبتها"لتقبل مختلف"المياه"لتنبتَ لنا أشجارًا طيبة"مثمرة"أو أخرى خبيثة"سامّة"لا ظل ولا ثمر !.
في حساب قيمة الرأي الوليد ( الإعتراض ) واستقصاء الزمان والمكان الأنسبان له ؛ ربما تجد اعتراضًا"محرّمًا"كالاعتراض على الأقدار والمسلّمات -حمى الله الجميع - أو"مكروهًا"مما يثيرُ زوابعَ الفتنة أو يثبط الهمّة ، أو"مستحبًا"و"واجبًا" ( فليغيّرهُ بيده فإن لم يستطع فبلسانهِ ! ) .
وحينًا من الأحايين يكون الانقياد"أسلم"من فتح باب"العنف الآرائي"للرياح ، وتشتيت العقول والأحلام !
لفن الاعتراض والنقد فائدة ، ولسوء فهمه مساوئ، فهوَ يقوّم الرأي والقرار بآراء أخرى، ويعمل على تهذيب القرارات الصحيحة وصقلها ، بينما يكون مثار نقع حرب شعواء لدى إساءة فهمه أو إساءة"استخدامه"، فلنتأمّل !