الكاتب: الشيخ د. مسفر بن علي القحطاني
المنطق العقلي يقتضي -كجواب على العنوان- أننا والآخر لا يمكن أن نجتمع على شيء واحد في نمط متّحد، كاستحالة الجمع بين الليل والنهار والسواد والبياض, ولكن السؤال الصحيح الذي ينبغي أن يُطرح في علاقتنا مع الآخر هو: هل يمكن أن يجتمع المختلفان؟ ..
والمنطق هنا يقتضي أيضًا بإمكانيّته عقلًا وجوازه شرعًا. فقد نختلف مع غيرنا إلى حدّ التباين لكن تبقى هناك الكثير من العوامل المشتركة تجمع بيننا قد تحدّدها الظروف المحيطة والمصالح المتبادلة، وليست الشواهد النبويّة ببعيدة عنا، بل هي حاضرة وماثلة في المعاهدة مع اليهود، أو الصلح مع المشركين، أو أحكام أهل الذمة والمعاهدين؛ مما يقرّر و يؤصل منهج التعامل مع الآخر والتعايش معه.
وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر كمفصل تاريخي للعلاقة مع الغرب خرجت من بيننا أصوات و أطروحات عدة تدعو للتعايش والقبول بالآخر, بل وتذويب الفروق العقديّة والتاريخيّة بيننا, بينما قابل الآخر ذلك بثقافة الصدام بين الحضارات ونهاية العالم وتدنيس المقدسات بل وكَتَب جمعٌ من المثقفين الأمريكان بيانًا للعالم سمّوه"على أي أساس نقاتل؟"تبريرًا لكل صور الاعتداء والقمع والتدخل السافر في شؤون الآخرين.
هذه الملامح والرؤى هي ما يظهر لنا عند المنادة أو القبول في حوارنا مع الآخر.. والتوتر الحالي الذي تشهده المنطقة والتماهي العسكري والتباهي المادي يكرّس من نظرة الكره والتشاؤم والخذلان حول مصداقيّة هذا التعايش أو جدوى هذا الحوار .. وشعوب المنطقة وهي تذوق هذه المرارات الموجعة، و تصغي لبعض نخبها الفكريّة التي لاتزال تنفخ بانفعال عاطفي في رماد تأجيج الصراع مع الغرب من غير فقه وعدل؛ فلا ننتظر منها سرعة الولوج لباب التسامح والحوار لمجرّد كونه قيمة دينيّة أو رغبة سياسيّة, فالواقع الاستعماري قائم في عدد من دول العالم الإسلامي، والإصلاح الحقيقي لا تكاد تظهر مشاريعه حتى الآن، بل وتحارب أحيانًا باسم الإصلاح ؟! فكيف يحصل التكافؤ في الحوار في ظل هذه الظروف، بينما الآخر لا يزال يسمعك من قمة الجبل.. لذا أجد أن هناك ملامح لابد أن تظهر في دعواتنا للحوار والتعايش مع الآخر يمكن أن أجمل الرأي فيها في النقاط التالية:
1-لقد تم التعامل مع الآخر على أنه شكل واحد ونمط ثابت ذابت كل الفروقات المتناقضة في شخصه الجديد، واختفت ندوب الشر و السوء من وجهه المقنع، بينما ظهرت ذواتنا في إعلامه وثقافته بأشكال غريبة، و تهم إرهابية، وتغليب للقلّة الناشزة على الكثرة الصامتة، أو المعتدلة التي تمثل الطيف الواسع الحقيقي لمبادئنا الدينيّة وثقافتنا الفكريّة. فلا يمكن والأمر كذلك أن يتقبل كل طرف الآخر ما لم تُصحّح الصورة النمطيّة التي صنعها الإعلام عن المقابل. فالحوار والتعايش هو نبض المجتمع وأفراده هم الميدان الحقيقي لنجاح أو فشل هذا المناخ, وأصوات الصقور والغربان لا تعلو إلا في ساحات المعارك والاقتتال، بينما معركتنا الراهنة هي معركة الوعي الديني والتنمية المستدامة والحضارة الرائدة!
2-يروج بعض المثقفين في الغرب أن الدين الإسلامي يقصي الآخر ويحارب الأديان والثقافات الأخرى و هذا الاتهام قد تكلم في ردّه و إبطاله الكثير من علمائنا المسلمين والشواهد الشرعيّة والتاريخيّة مازالت بين أيدينا لم يتقادمها الدهر، بل تجدّدت روحها مع كل أزماتنا المختلفة, لكن الأمر يبدو غريبًا عندما نجد تلك التهم هي الأقرب التصاقًا للفلسفة والفكر الغربي الأوروبي ابتداءً من فلاسفة اليونان كأرسطو القائد الروحي لفتوح الأسكندر المقدوني بكل فظاعاتها, إلى قوانيين الرومان التعسفيّة التي قزّمت وعبّدت كل الشعوب الأخرى, وصولًا إلى عصر التنوير الأوروبي المنتج للفكر الغربي الحديث, فأشهر مفكري تلك المرحلة كديكارت كان يرى مفارقة بين"الأنا"الفرديّة الواعية وبين"الغير"لأن عمليّة الشكّ المعرفي التي يصل بها إلى الحقيقة لا تتم إلا من خلال إقصاء الغير، والتجرّد من كل الموروثات الاستدلاليّة، بينما هيجل لا يرى اعترافًا بالذات إلا من خلال اعتراف الآخر بها. واعتراف أحد الطرفين بالآخر لابد أن يُنتزع. هكذا تدخل الأنا في صراع حتى الموت مع الغير، وتستمر العلاقة بينهما في إطار جدلية العبد والسيد. هكذا يكون وجود الغير بالنسبة إلى الذات وجودًا ضروريًا عند هيجل .فهذان النموذجان من التطرف في النظر إلى الآخر لا ينسحب على كل المفكرين المؤثرين في الغرب بل هناك الكثير من العقلاء المعتدلين المنصفين سواء كانوا أفرادًا أو مؤسسات، وهم من ينبغي التحاور ومد الجسور معهم, وعليهم ينبغي التركيز والاهتمام بدلًا من صرف ذلك نحو المؤسسات التجارية أو الإعلام المؤدلج أو الحكومات العسكريّة التي لا تنظر إلا مصلحتها وامتداد سيطرتها على الآخر باسم الحوار والتعايش.