فهرس الكتاب

الصفحة 1139 من 27345

أستاذ الجهاد أسد الدين شيركوه - فاتح الديار المصرية

كتبه / شريف عبد العزيز

مقدمة

مفكرة الإسلام: هناك بعض الشخصيات التاريخية في حياة أمة الإسلام كان لها دور بارز ونصيب وافر من التدوين والتعريف في كتب التاريخ، طارت أخبارهم وطبقت شهرتهم على كل من عاصرها فلم يبق ذكر إلا لها ولا مجد إلا إليها، على الرغم من وجود بعض الشخصيات الأخرى في نفس الوقت أو العصر كان لها من الدور والأثر ما ربما يفوق أثر وفعل الشخصية الأشهر فتنسى أفعالهم ومواقفهم في خضم شهرة الآخر، ومن هؤلاء صاحبنا أسد الدين شيركوه الذي هو عم الناصر صلاح الدين وأستاذه ومعلمه ومرشده الجهادي ومربيه على الحقيقة، والناس كلهم يعرفون صلاح الدين وقليل منهم من يعرف أسد الدين .

أسد الجبل

هو البطل الفذ والفارس الأسد أسد الدين شيركوه بن شاذى بن مروان بن يعقوب الدونيى الكردي، المولود ببلدة 'دوين' على أطراف أذربيجان مع جورجيا سنة 500 هجرية تقريبًا، وشيركوه بالعربية: أسد الجبل، فشير:أسد، وكوه: جبل، نشأ هو وأخوه نجم الدين أيوب والد صلاح الدين، بتكريت لما كان أبوهما شاذى 'ومعناها فرحان' نقيب قلعتها، وكان نجم الدين أسن من أسد الدين، ويغلب على نجم الدين العقل والحكمة والتؤدة، في حين كان أسد الدين كالشهاب الحارق لا يصبر على إساءة أو عدوان أو انتهاك حرمات وهذا ما سينقل حاله من مكان لآخر .

من تكريت إلى الموصل

التحق أسد الدين وأخوه نجم الدين بخدمة الأمير 'بهروز' قائد شرطة بغداد عاصمة الخلافة العباسية، فأقطعهما الأمير 'بهروز' قلعة تكريت، فسارا في الناس سيرة حسنة، ووقعت حادثة سنة 526 هجرية خلاصتها أن أسد الدين ونجم الدين قد ساعدا الأمير البطل 'عماد الدين زنكي' عندما جاء إلى تكريت منهزمًا في قتاله ضد بعض خصومه بالخلافة، حيث قدم الأخوان لعماد الدين زنكي السفن اللازمة لعبوره هو وجنوده نهر دجلة إلى مدينته 'الموصل' وكان الأمير 'بهروز' على خلاف شديد مع 'عماد الدين زنكي' فلم يعجبه هذا الفعل من أسد الدين ونجم الدين وتربص لهما الدوائر وتحين لهما الفرصة لمعاقبتهما .

كثرت التحرشات بنجم الدين وأسد الدين وأهلهم بقلعة تكريت من جانب جنود الأمير 'بهروز' حتى جاءت الفرصة التي يريدها، عندما تعرض أحد الجنود لفتاة من آل أسد الدين في الطريق واشتكت الفتاة لعمها أسد الدين، فنزل لهذا الجندي الماجن وتكلم معه بشدة فرد عليه الجندي بأن سحب عليه السلاح، فتشاجر الرجلان مشاجرة انتهت بمصرع الجندي الماجن فغضب الأمير 'بهروز' وأمر بطرد نجم الدين وأسد الدين وأهليهم من قلعة تكريت وذلك سنة 532 هجرية وفي نفس الليلة التي ولد فيها صلاح الدين يوسف بن أيوب .

قرر الأخوان الصالحان التوجه إلى أمير الموصل 'عماد الدين زنكي' والالتحاق بخدمته، فسارا إليه فأحسن استقبالهما وشكر صنيعهما معه، وضمهما لأمرائه وقادته وبالغ في إكرامهما وأقطعهما أقطاعًا حسنًا، وجعل نجم الدين واليًا على بعلبك وأسد الدين من مقدمي جيوشه، فعماد الدين زنكي كما قلنا من قبل كان خبيرًا بمعادن الرجال، بصيرًا بقدراتهم، قادرًا على توظيفهم حسب ما يبرزون ويحسنون، فرأى في نجم الدين الرجل الحكيم العاقل القادر على السياسة والقيادة، ورأى في بطلنا أسد الدين القائد العسكري الشجاع القادر على تحويل دفة الحروب بشجاعته وإقدامه .

من عماد الدين إلى نور الدين

ظل أسد الدين شيركوه في خدمة عماد الدين زنكي، وخاض معه كل حروبه ضد الصليبيين وكان معه يوم فتح الرها وكان عماد الدين يحبه ويقدره لأنه كان مثله بطلًا شجاعًا لا يهاب الموت، وظل هكذا حتى كان معه في معسكره ليلة أن قتل عماد الدين سنة 541 هجرية، وعندها قام أسد الدين شيركوه بدور في غاية الأهمية، ذلك أنه حفظ معسكر المسلمين من الهرج والمرج الذي يحدث عادة عند مقتل القائد ثم قام بإعطاء خاتم الملك الخاص بعماد الدين لولده نور الدين محمود كناية عن خلافته لأبيه الشهيد، ثم قام بحراسة نور الدين محمود حتى وصل سالمًا أمنًا إلى مدينة 'حلب'، فعرف نور الدين هذا الجميل لأسد الدين، وصار من أقرب الناس إليه .

ومن ذلك اليوم أصبح أسد الدين شيركوه قائد جيوش نور الدين محمود أمير الشام الجديد وأصبح أخلص وأقوى أمراء الجيوش الشامية، ورجل المهام الصعبة الذي يعتمد عليه نور الدين محمود في النوازل وصعاب الأمور، وكان له المواقف المشهورة والبطولات المشهورة .

الأسد المعلم

كان أسد الدين شيركوه بحق الأستاذ الأول والمعلم الحقيقي والمكتشف البارع لقدرات ومواهب ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، وذلك منذ كان صلاح الدين فتى يافعًا حيث رأى فيه شيركوه بعين الخبير الفاحص أن الفتى الصغير يجمع بين عقل وحكمة أبيه نجم الدين أيوب، وشجاعة وفروسية عمه أسد الدين شيركوه، وزهد وورع أميره نور الدين، وهى خصال ثلاث كفيلة بأن ترشح هذا الفتى لقيادة الأمة فيما بعد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت