د. محمد عمر دولة*
لعلّ من أهمّ الأسئلة التي ينبغي أن تتبادر إلى عقول المسلمين وقلوبهم في هذه الأيّام التي صار يهدّدنا فيها أعداؤنا في عقر ديارنا:"ما سبب انحطاط المسلمين؟ وما الذي أطمع فينا اليهود والصليبيّين؟"
إنه غياب الهمّ الرسالي في حياتنا، وضمور البُعد الدّعوي في إحساسنا، وضياع الإخلاص من كثيرٍ من أعمالنا، التي لا نستحضر حين نؤدّيها إلا الكسب المادّيَّ الهزيل، والرّبح الدنيويّ القليل! كما تراه في غالب الجامعات والمؤسّسات في العالم الإسلامي التي تخرّج الملايين في كلّ عام؛ ولكنها لا تربّي إلا العشرات من العلماء الدعاة الصالحين المجاهدين!
ولا ريب أنّ من توفيق أئمتنا في الدّين، ورسوخِ فِقْه علمائنا السابقين: أنهم وضعوا حديث (الأعمال بالنيّات) في حَبّات القلوب [1] وحَدَقات العيون، واعتنوا بفقهه، وتلمّسوا معانيه، حتى جعلوه في مطالع كتبهم كما صنع البخاري وغيره، واعتبروه أساسًا لمناهجهم كما قال قائلهم في هذا الحديث: إنه"ثلث العلم"، ووجّه البيهقي ذلك بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه. فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها. ووجّهه ابن حجر بأنّ حديث (الأعمال بالنيّات) أحدُ القواعد الثلاث التي تُردّ إليها الأحكام عند الإمام أحمد وهي هذا الحديث و (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ) و (الحلال بيّن والحرام بيّن) [2] .
وقال ابن رسلان:
وقد اهتم علماء المسلمين بفقه الإخلاص؛ لأنه رأس الأمر وباب القبول وأساس الدّين، كما قال الله تعالى (وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدّين) . [4] وترجم البخاري في كتاب العلم ترجمته البديعة: (باب العلم قبل القول والعمل لقول الله تعالى:(فاعلم أنه لا إله إلا الله) ؛ فبدأ بالعلم)! قال ابن المنيّر:"أراد أنّ العلم شرطٌ في صحّة القول والعمل؛ فلا يعتبران إلا به، فهو متقدّمٌ عليهما؛ لأنه مصحّحٌ للنيّة المصحّحة للعمل". [5]
فمن المعالم التي لا بدّ من التفقه فيها من معاني الإخلاص أنه:
[1] ليس الاعتبار لكثرة الأعمال: فقد قال تعالى (وقدمنا إلى ما عملوا من عملٍ) والتنكير هنا يفيد التكثير (فجعلناه هباءً منثورا) وقال صلى الله عليه وسلم (إنّ المفلس من أمتي مَن يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا. فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته. فإن فنيتْ حسناتُه قبل أن يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم ثم طُرحتْ عليه, ثم طُرِح في النار) رواه مسلم. فلا بدّ من التقوى ليكون للأعمال ثمرة كما قال عز وجل (إنما يتقبّل الله من المتقين) .
[2] ليست العبرة كذلك في عظمة هذه الأعمال من حيث هي، أو أنها كبيرةٌ في أعين الناس. فالجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام, وأعظم الأعمال أن يقاتل المرء في سبيل الله بنفسه وماله (يا أيها الذين آمنوا هل أدلُّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) ولكن إذا قاتل ليقال شجاع وليرى مكانه من الناس وليثبت أن له حميةً أو ولاءً لقبيلة أو غيرها ـ وليس في سبيل إعلاء كلمة الله ـ فإنه محرومٌ من الأجر ولو قُتل في الجهاد بل هو من الثلاثة الذين هم أوّل من تُسعَّر بهم النار. وقد روى الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه قال: (سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حميّةً ويقاتل رياءً أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) .
[3] نيّة التقرُّب إلى الله هي العمدة في قبول العمل صغيرا أو كبيرا كما قال الله عز وجل: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم) وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد (إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرتَ عليها حتى ما تجعله في فيّ امرأتك) قال: فقلت أُخَلَّف بعد أصحابي؟ قال: (وإنك لن تُخلَّف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجةً ورفعةً.) . فلم يمنع الأجر ما يُعلم ـ عادة ـ من حبّ الرجل إطعام زوجته ما دامت نية القُربى حاضرة. وقريب من هذا ما رواه البخاري من حديث يزيد بن الأخنس أنه وضع في المسجد صدقة فأخذها ولده معن فتخاصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لك ما نويتَ يا يزيد ولك ما أخذتَ يا معن) . وتأمَّلْ سؤال الصحابة رضي الله عنهم النبي صلى الله عليه وسلم (أيأتي أحدنا شهوته ويكون له بها أجر) ؟! وهذه لفتة جليلة إلى أنّ النيّة الصالحة ما ينبغي أن تغيب عن المسلم في كلّ أموره (وكلّ شيء فعلوه في الزبر وكلّ صغير وكبير مستطر) ؛ ومن هنا أجاب النبي صلى الله على عليه وسلم معاذًا لما سأله (يا رسول الله وإنّا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك وهل يُكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.