[4] ومن أحسن الأدلّة على أنّ العمل القليل ينفع ويضرّ بحسب نية صاحبه ما رواه مالك والترمذي عن بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه. وإنّ الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه) وأصله في البخاري عن أبي هريرة مختصرًا، ونحوه حديث أبي هريرة في الصحيحين (إنّ العبد يتكلم بالكلمة ما يتبيّن فيها يزل بها إلى النار أبعد ممّا بين المشرق والمغرب) قال النووي"ومعنى (يتبيّن) يفكّر أنّها خير أم لا" [6]
[5] قد لا يقدر المؤمن على أداء العمل، ولكنْ تكون نيّتُه منعقدةً على ذلك الفعل؛ فيُكتب له أجره وإن لم يفعله ـ منّةً من الله وكرما ـ لعلمه سبحانه بصدق نيّة العبد في القيام بالأمر. وقد قال جابر رضي الله عنه: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال: (إنّ بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض) قال النووي: وفي رواية (إلا شركوكم في الأجر) . وفي البخاري: (حبسهم العذر) .
[6] وما أروع حال البكّائين الذين لم يخرجوا من ديارهم ولم يلقوا عدوّهم ولم يركبوا ظهر فرس أو بعير، ومع ذلك نالوا رضوان الله والأجر الوفير (الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون) . [7] وما شأن عثمان رضي الله عنه ببعيد حيث غاب عن بيعة الرضوان ليخاطب أهل مكة لمكانته وشرفه بينهم؛ فبايع عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (هذه عن عثمان) !
وأما علامات الإخلاص فكثيرةٌ، منها:
[1] أن لا يتعصب المرء لنفسه، وأن لا ينتصر ـ عند الزلل ـ لرأيه؛ كأنّ الحق حِكرٌ عليه، والصواب خاص به! فذلك من صفات الله تعالى (لبَّيْكَ وسَعْدَيك. والخير بين يديك. والشر ليس إليك) . وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من إعجاب كلّ ذي رأي برأيه. وذكر أنّ النصيحة لا ينتفع بها من كانت هذه صفته. وقال جل جلاله: (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم) ، على حين مدح أولياءه بأنهم (إذا ذُكّروا بآيات ربهم لم يخِرُّوا عليها صُمًّا وعُميانا) . ومن هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم (أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان مُحقًا) [8] .
ولا شكّ أن الإخلاص يقتضي البحث عن الحق والتزامه، ولو كان الحق في رأي المخالف كما قال الله تعالى: (ولا يجرمنّكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) . [9] ورحم الله حماد بن زيد حيث قال:"إذا خالفني شعبة تبعته؛ لأنه كان لا يرضى أن يسمع الحديث عشرين مرة وأنا أرضى أن أسمعه مرة" [10] وما أحسنَ ما علّقه البخاري من قول عمّار بن ياسر رضي الله عنه في باب إفشاء السلام من الإسلام (ثلاثٌ من جمعهنّ فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك, وبذل السلام للعالَم, والإنفاق من الإقتار) . ورحم الله الحاكم محمد بن عبد الله بن البَيِّع صاحب [المستدرك] فقد بعث إليه الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري كتابا جمع فيه الأوهام التي وقعت للحاكم في [كتاب المدخل] ؛ ففرح بها الحاكم لأنّ صاحبه نبّهه إلى الصواب وعرّفه بالحق _ و (الدين النصيحة) ـ فطفق الحاكم يُخبر بها الناس! وبعث إلى عبد الغني يشكره قال: فعلمتُ أنه رجل عاقل كما ذكر الذهبي في ترجمته من (سير أعلام النبلاء) .
[2] أن لا يقصد المرء الشهرة بين الناس، ولا يرجو استماعهم إليه، أو يسعى إلى اجتماعهم عليه ـ وإن كان كل ذلك من (عاجل بشرى المؤمن) إذا أخلص ـ ولكنه فتنةٌ وهلاكٌ لمن لم يرد به وجه الله لأنّ الله (أغنى الشريكين عن الشرك) ولا يقبل إلا ما كان لوجهه خالصًا؛ فلا يصيب المرء من تعبه ونصبه خيرا كما جاء في الصوم (رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع العطش) . ورحم الله أولئك الأخيار الذين كانوا (يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) ومع ذلك تجدهم حريصين على أن لا يعلم قرباتهم إلا ربّ العالمين .قال ابن قدامة المقدسي"لم يزل المخلصون خائفين من الرياء الخفيّ يجتهدون في مخادعة النفس والناس عن أعمالهم الصالحة ويحرصون على إخفائها أعظم مما يحرص الناس على إخفاء فواحشهم, كل ذلك رجاء أن يخلص عملهم ليجازيهم الله تعالى في القيامة بإخلاصهم" [11] ومن هؤلاء الأبرار منصور بن المعتمر الذي"صام أربعين سنةً, وقام ليلها, وكان يبكي الليلَ كلَّه, فإذا أصبح كحل عينيه وبرق شفتيه ودهن رأسه."! [12]