[3] أن لا يحب الثناء، بل يكرهه ولا يرضى بسماع المدح بل يفرّ منه، كما فرّ أويس القرني رضي الله عنه لئلا يُعرَف. وما أكثرَ ما يجتمع حُبّ الثناء بالتقصير في الأعمال كما قال تعالى (ويحبّون أن يُحْمَدوا بما لم يفعلوا) ! ولله درّ من قال من أهل التفسير:"من أظهر الدعوى كُذِّب!"عند قول الله تعالى (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مُصلحون ألا إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) . ورحم الله العلامة ابن القيم حيث قال:"لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس". [13] فينبغي للمؤمن أن يراقب نفسه ويصحّح قصده لأنّ الرياء دقيق, وهو متلوِّن بأشكال الأعمال الصّالحة تدليسا وتلبيسا لا يظهر إلا بالمحاسبة والمراقبة. وما أحسنَ ما نبّه عليه العلامة ابن قدامة حيث قال:"هذه الشهوة الخفية يعجز عن الوقوف على غوائلها كبار العلماء, فضلا عن عامة العُبّاد وإنما يبتلى بها العلماء والعُبّاد المشمّرون عن ساق الجدّ لسلوك سبيل الآخرة, فإنهم لما قهروا أنفسهم جالدوها وفطموها عن الشهوات, وحملوها بالقهر على أصناف العبادات؛ عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة والواقعة على الجوارح, فاستراحت إلى التظاهر بالعلم والعمل, ووجدت مخلصا من شدة المجاهدة في لذة القبول عند الخلق ونظرهم إليه بعين الوقار والتعظيم. فأصابت النفس في ذلك لذة عظيمة؛ فاحتقرت فيها ترك المعاصي والشهوات, واستلانت خشونة المواظبة على العبادات؛ لإدْراكها في الباطن لذة اللّذّات وشهوة الشهوات. فهو يظن أنه مخلص لله عز وجل, وقد أُثبت في ديوان المنافقين. وهذه مكيدة عظيمة لا يسلم منها إلا المقرَّبون" [14] .
[4] أن يصبر على الأذى ويتحمّل ـ في سبيل الله - العناء؛ رجاء أن ينال القبول والرّضا, وقد قال الشافعي: سمعت محمد بن الحسن يقول:"لا يُفلح في هذا الشأن إلا من أَقْرَحَ البُرُّ قلبه" [15] وقال الذهبي"لا يصبر على الخَلّ إلا دوده"وقال ابن معين لمّا رفسه الحافظ أبو نُعيم الفضل بن دُكين حين امتحنه في قلب الأسانيد:"والله لهذه الرفسة أحبّ إليّ من كل شيء" [16] .شعارهم في ذلك قول الشاطبي:
وقد قيل:
وليت شعري هل يصبر أهل الدنيا أيامًا لا يأكلون ولا يشربون يجرون من درسٍ إلى درسٍ ويحومون على الشيوخ. كما كان شأن البخاري حين أكل العشب في رحلته إلى شيخه آدم بن أبي إياس [18] . وذكر ابن أبي حاتم الرازي أنه كان مع صاحبٍ له يطلبون العلم من شيخٍ إلى شيخٍ فاشتريا سمكة لم يجدا وقتًا لشوائها؛ فأكلاها نيئة. وقال: لا يُستطاع العلم براحة الجسد! [19]
بل إنّ المرائي لا يصبر على أدنى أذىً يصيبه كما قال تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرفٍ فإن أصابه خيرٌ اطمأن به وإن أصابته فتنةٌ انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين) , بل لا يرضى أن يتجاهله الناس، ولا أن يعاملوه كعامّة المسلمين، وقد عَدَّ ابن قدامة هذا من الرّياء الخفي فهو"إذا رأى الناس أحبَّ أن يبدؤوه بالسلام. وأن يقابلوه بالبشاشة والتوقير وينشطوا في قضاء حوائجه, ويسامحوه في المعاملة. ويوسعوا له المكان. فإن قصّر في ذلك مقصّر ثَقُل على قلبه, ووجد لذلك استبعادا في نفسه؛ ليتقاضى الاحترام على الطاعة التي أخفاها" [20] . وأما العبد الصالح فلا يهمُّه رضي الخلق أم سخطوا إذا أدّى حق الله ورسوله. بل هو متيقِّن بأنّ السفهاء لا يرضون بالمعروف أصلًا، ولا يَرَوْنَ لصاحب الخير فضلا. فلا يبالي بهم بل ينشد مع الزَّبيدي [21] :