الشيخ الأمين الحاج محمد أحمد*
الحمد لله الذي جعل الدين قائمًا، والجهادَ ـ ذروة سنام الإسلام ـ ماضيًا إلى يوم القيامة، لا يبطله عدلُ عادلٍ ولا جوْرُ جائرٍ، وجعل الطائفةَ المنصورةَ باقيةً، لا يضرُّها من خذلها ولا من خالفها، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وجعلَ الأمّةَ الإسلاميّة وسطًا بين الأمم، وأهلَ السنة نقاوةَ كل الفرق، والأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر بعد الإيمان بالله عزّ وجل دليل خيريّةِ هذه الأمّة، والعلماءَ ورثةَ الأنبياء.
وصلى الله وسلم وبارك على رسوله القائل: (يُوشِك أنْ تَدَاعى عَليكُم الأُمَمُ من كلِّ أفق كما تَدَاعى الأَكَلَة إلى قصْعَتِها، قيل: يا رسول الله فمن قِلّةٍ يومئذٍ؟ قال: لا، ولكنّكم غثاء كغثاء السيل) [رواه أحمد وأبو داود] ، وبعد..
فقد أمر الله بجهاد الكفّار وإخوانهم المنافقين، وفَرَضَه على المؤمنين، فقال عزّ وجلّ مخاطبًا الأمّة في شخص رسولها صلى الله عليه وسلم: (( يا أيّها النّبي جاهدِ الكفّارَ والمنافقين واغلظْ عليهم ومأواهم جَهنّمُ وبئس المصير ) ) [سورة التوبة: 73] .
ودلّنا على أنه مِنْ أربحِ التجارات، وأعظمها أجرًا، وأكثرها ربحًا ونفعًا، في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، فقال: (( يا أيّها الذين آمنوا هل أدلُّكُم على تجارةٍ تنجيكم مِنْ عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إنْ كنتم تعلمون. يغفرْ لكم ذنوبَكم ويدْخِلكم جنّات تجري من تحتها الأنهار ومساكنَ طيبةً في جنّات عدنٍ ذلك الفوز العظيم. وأخرى تحبّونها نصرٌ من الله وفتحٌ قريبٌ وبشِّرِ المؤمنين ) ) [سورة الصف: 10-13] .
ومِنْ رحمته سبحانه بهذه الأمّة أنّه لم يقْصُر الجهاد على الجهاد بالنفس، بل جعله بالنفس، والمال، والبنان، واليد، والقلب، واللسان، كما هو بالسِّنان، وليس وراءَ ذلك مثقال حبّة من خردلٍ من إيمان.
قال العلاّمة ابن القيم رحمه الله:"والتحقيق أنّ جنسَ الجهاد فرضُ عين، إمّا بالقلب وإمّا باللسان، وإمّا بالمال، وإمّا باليد. فعلى كلّ مسلم أنْ يجاهد بنوعٍ مِنْ هذه الأنواع" [زاد المعاد لابن القيم، تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط: 3/72] .
والجهاد أنواعٌ هي:
1-جهاد الطلب.
2-وجهاد الدفاع.
3-وجهاد النفس.
أولًا: جهاد الطلب:
هو أَنْ يُطلب من الكفار والمشركين الدخول في الإسلام، فإن هم استجابوا لذلك فبها ونَعِمَت، وإلاّ فُرضَت الجزية على أهل الكتاب وقُوتِل المشركون والكتابيون إذا مَنعوا الجزية أو من حال دون دخولهم في الإسلام، ومن أهل العلم من أجاز أخذ الجزية من المشركين - مالك وغيره - لقوله صلى الله عليه وسلم عن المجوس: (سُنّوا بهم سنّة أهل الكتاب) [رواه مالك في الموطأ، كتاب الزكاة، باب جزية أهل الكتاب والمجوس] ، وهذا النوع هو أُسُّ الجهاد وأصله، وهو رهبانية الإسلام، وهو الذي فرضه الله وكتبه على المسلمين، قال تعالى: (( كُتِب عليكم القتال وهو كره لكم ) ) [سورة التوبة: 36] ، وقال: (( انفروا خفافًا وثقالًا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ) ) [سورة التوبة: 41] .
وهذا الجهاد هو الذي مارسه الرسول صلى الله عليه وسلم في جزيرة العرب إلى أَنْ دانَ له أهلُها، وخاضَه خلفاؤه الراشدون، والسلف الصالحون حتى فتحوا كلَّ البلاد، وأنقذوا العباد، ونشروا العدل والرحمة، وقَضَوا على دول الكفر والشرك والعناد، ولله درّ القائد الملهم والأمير المفخّم عقبة بن نافع الفِهرِي القرشي، فاتح بلاد المغرب وشمال أفريقيّة، عندما اصطدم بالمحيط الأطلسي قال، كما حكى ابن الأثير عنه:"يا ربّ لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهدًا في سبيلك. ثم قال: اللهم اشهد أَني قد بلغتُ الجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بالله حتى لا يعبد أحدٌ من دونك. ثم وقف ساعة ثم قال لأصحابه: ارفعوا أيديكم ففعلوا، فقال، اللهم إني لم أَخرج بطرًا ولا أشرًا، وإنك لتعلم إنمّا نطلب السبب الذي طلبه عبدك ذو القرنين، وهو أن تُعْبَد ولا يُشرَك بك شيء. اللهم إنّا معانِدون لدين الكفر، ومدافعون عن دين الإسلام فكن لنا ولا تكن علينا يا ذا الجلال والإكرام. ثم انصرف راجعًا" [الكامل لابن الأثير: 3/308-309] .
حكمه: فرض كفاية.
وهذا هو النوع الذي يجب أَنْ تتوفر فيه الشروط الآتية:
1-لا يكون إلاّ تحت راية أَمير ذي شوكة، برًا كان أو فاجرًا.
2-أن تسبقه دعوة إلى الإسلام بالحسنى.
3-أَنْ يُعلَن.
4-لا بد فيه من رضى الوالدين إن كانا حيين أو أحدهما.
5-وهو المنهي فيه عن قتل النساء والأطفال والشيوخ إلاّ أن يكونوا مقاتلين.
ثانيًا: جهاد الدفاع:
أما جهاد الدفاع فهو الجهاد الذي يدفع به المسلمون عن دينهم وديارهم ولا يشترط فيه ما اشترط في جهاد الطلب، وإنما يجب على المسلمين أنْ يدافعوا عن دينهم وديارهم وأموالهم وذراريهم وإخوانهم بما يرد كيد الكافرين والظالمين عنهم.