الجمعة 8 ذي الحجة 1397 / 18 تشرين الثاني 1977
( من 5-2 )
العلامة محمود مشّوح
(أبو طريف)
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:
فبالرغم من حرصنا في الجمعة الماضية على أن نعطي تلخيصًا وافيًا لسورة ( ص ) فإن ذلك لم يستيسر لنا لما كنا معنيين به من إبراز الفوارق بين هذه السورة والتي قبلها أعني سورة القمر ، ففي كلٍ من السورتين ذكر مفصل إلى حدٍ ما لوقائع الأنبياء مع أممها وأقوامها ، ولكن عبقرية القرآن تتجلى في كونه يسوق القصص الواحد في المواطن المتعددة لشتيت الأغراض ، فركزنا على هذه الناحية في الجمعة الماضية ولكن على حساب التلخيص اللازم لسورة ( ص ) وهي السورة التي نواجهها اليوم والذي سيكون له من بعد تفصيل بعد إجمال إن شاء الله تعالى .
ما كان من كلام في الجمعة الماضية يكفي فيما أتصور لكي يضعنا في جواء السورة ، وضمن موحياتها ، وفقط أحب أن أذكّر بأن الجانب الذي عرضته هذه السورة من حياة الأنبياء كان يهدف إلى إبراز قضية يفتقر إليها الإنسان وهو في غمرة العمل وإن كان نبيًا . فالأنبياء صلوات الله عليهم هم بشر أولًا وآخرًا ، أي أن حذف النوازع البشرية والتأشيرات العارضة وضغوط الأحداث أمر لا يُعقل ، وإلا لانسلخ النبي عن بشريته ولحق بعالم الملأ الأعلى وذلك لا يكون . وإزاء مظاهر الجحود والتكذيب والعناد الذي ليس له مبرر فإن أقوى النفوس وأرسخها في الإيمان ليست محصنة ضد التأثرات العارضة إلا أن يتداركها الله تعالى بعصمة منه وحفظه ، ونبينا عليه الصلاة والسلام لقي من قومه كفار مكة خلاصة ما تمخّضت عنه الطينة البشرية من رديء الأخلاق وفاسد الطباع ومنحط الشيم ، خلاصة ما وُوجه الأنبياء كلهم وُوجه به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبشراسة أشد وخصومة أعنف ومعارضة أعتى ، وهو بأبي وأمي بشر يحس كما نحس ويألم مثلما نألم ، وهو المفعم قلبه بالرحمة ، يكاد يعدو على نفسه بالإهلاك ألمًا وحرقة أن لا يؤمن هؤلاء الناس ، وذلك شأن النفوس العظيمة ، إن الألم يعتصرها اعتصارًا حينما تبلغ من الشفافية ومن رسوخ الإيمان وقوة اليقين الدرجة التي تجعل الحق الذي تحمله كالشمس ظهورًا ويرى الناس يخبطون في التيه والعماء ويتمرغون في الوحل ، ذلك في الحقيقة شيء مؤلم .
وكل هذا مشروع وطبيعي ومتساوق مع جوهر الأحداث وجوهر الإنسان ، لكن النفوس من حيث لا تدري قد تجنح وهي وسط هذا الإعصار العنيف لتستيئس ولكي تتشوّش أمامها ساحة الرؤية ، وهنا يبدأ الخطر ، وهذا أمر منظور ، فمن أجل ذلك جاءت سورة ( ص ) لتعرض أمام أنظار رسول الله صلى الله عليه وسلم صورًا وملامح من حياة الأنبياء من قبله . إن النبي مكلّف بغرض ، بوظيفة ، مأمور بأن ينفّذ أمرًا خاصًا ، ليس له فيه يدان ، ليس من كيسه ، فمن أجل هذا لا يملك أن يتصرف فيه إلا بإذن الله تعالى .
وذلك يعني منطقيًا أن النبي وكل عامل في طريق الأنبياء مطلوب منه وبوضوح ومن بداية الطريق أن يكون أقوى من نوازعه ، وأكبر من مجتمعه ، وأقوى من كل ضغوط هذا المجتمع . مطلوب منه أن يبقى أبدًا في هذا الأفق العالي السامق الذي وضعه الله تعالى فيه ، وأن تبقى الغاية النبيلة الكبيرة العظيمة هي التي تجتذب قواه جميعًا وتشد إليها اهتماماته جميعًا . ونحن بأيسر المراجعة لما كان حتى المرحلة التي نتحدث عنها من المشركين في مواجهة رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى أن جدلًا طويلًا للغاية أُثير حول قضايا ذات أهمية ، لكن شيئًا ركّزت عليه سورة ( ص ) يعطينا تقديرًا مناسبًا لواحدة من هذه القضايا وهي قضية الرسالة .
فالمراجعة العامة لسورة ( ص ) تكشف لنا أن ثمة خيطًا واحدًا ورئيسيًا ينتظم كل القضايا التي عرضتها سورة ( ص ) ، هذا الخط الأساسي الرئيسي يدور حول قضية النبوة والرسالة وما يتفرّع عنها ، اسمعوا تُفتتح السورة هكذا ، وأنا أتمنى أن أكمل استعراضها اليوم لنفرغ لتفصيلاتها من بعد ( بسم الله الرحمن الرحيم ، ص والقرآن ذي الذكر ، بل الذين كفروا في عزة وشقاق ، كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص ) فنادوا أي استغاثوا ، إلى هنا وبلمحة خاطفة عرضت السورة الكريمة في البداية حالة الكافرين باعتبار أن هذه الحالة وصفًا ملازمًا للأقوام الكافرة لا يتخلّف مع اختلاف الأزمنة والأمكنة ، فالتكذيب وما يترتب على التكذيب من تحكيم الهوى وما ينتج من تحكيم الهوى من شقاق وفرقة وتنابز ، ثم ما يتأتى من ذلك كله من تدمير وإهلاك ، ثم ما يأتي من تذكّر بعد أن يكون التذكّر قد فات وقته ، ذلك هو الطبع الملازم للكافرين عمومًا .