فهرس الكتاب

الصفحة 13538 من 27345

( بل الذين كفروا في عزة وشقاق ، كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص ) هذا العرض تبعه مباشرة حديث عما يختلطه ويأتفكه الأفاكون والكافرون حول موضوع النبوة ، ماذا يقولون ( وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ) ذلك أول شيء أخذ ألباب الكفار أن يكون المنذر من البشر ، ولماذا لا يكون ملكًا ؟ بل لماذا لا يكون كما جاء على ألسنة بعض سفهاء مكة لماذا لا يجيء الله والملائكة قبيلًا ليتحدثوا مع هؤلاء المشركين ، ولو جاءهم لكفروا به .

( وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ) ما هو ردّ الفعل وما هي الاستجابة ؟ ( وقال الكافرون هذا ساحر كذاب ) أفبعد هذه السفاهة سفاهة ؟ ولنتابع سلسلة اعتراضات المشركين ( أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب ) وهذه النقطة فيما أتصور ألقيت عليها بعض الإيضاحات في الجمعة الماضية ، خبل في العقل البشري قديم الزمن ومنذ وُجدت هذه الإنسانية لحكم قصور قواها المدركة تتصور أن هذه الخلائق التي لا تكاد تتناهى لا يمكن أن يديرها وأن يدبر أمرها إله واحد ، فليكن التدبير وما إليه صنع آلهة عديدين ، وأيضًا فإن الإنسان الفاني وهم يرون قانون الحياة أرحامًا تدفع وقبورًا تبلع إن هذا البشر الفاني بما هو مجبور عليه من فناء وقصور ونقص لا ينبغي له لأن يتطاول بأن يدعو الله المتسامي والمتعالي ، ولا أن يمد يده إلى الله ، فمن هنا نشأت فكرة الوسائط والشفعاء والشركاء وعُبّر عن ذلك بالقالة التي قالها مشركو مكة وقالها المشركون في كل وقت ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) وأيضًا فإن النشأة والإلف يطبع في نفس الإنسان كراهة التغيير ، ويجعل الإنسان يتصور رياح التغيير سمومًا قاتلة ، مع أن التغيير سنة الحياة ، مع أن التغيير ينبغي أن يكون نحو الأصلح باستمرار . لكن قانون الإلف جعل الناس يميلون إلى حياة الركود والجمود وينفرون من كل دعوة تدعوهم إلى نبذ المألوفات . ويرحم الله المتنبي لقد عبّر عن هذه الخليقة في الإنسان تعبيرًا في غاية الدقة فيقول:

إلف هذا الهواء أوقع في النفس أن الحمام مرّ المذاق

فالموت نتصوره مرًّا لأننا ألفنا الحياة ، ولو أننا لم نسمح لهذا المألوف أن يتحكم فينا تحكمًا بالغًا لوجدنا أن الموت أمر لا شيء فيه ، مجرد نقلة من دار إلى دار .

ولهذا فنحن نجد استجابة العرب المكيين لرسول الله صلى الله عليه وسلم تخضع أيضًا لهذا القانون ، لقد عاش قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم مئات من السنين يألفون الأصنام منصوبة في جوف البيت وعديدة تعد بالمئات ، وهم يألفون الأصنام منتشرة في البيوت وبين القبائل ، بل هم يألفون ما هو أكثر ، يألفون أن يتخذوا لهم صنمًا من أي شيء يجدونه في طريقهم وهم مسافرون أيضًا . ففكرة التعدد شيء درج عليها الناس ، نشأ عليه الصغير وهرم عليه الكبير ، وحينما ينادي رسول الله أن لا إله إلا الله فتلك دعوة عجيبة في نظر المكيين الكافرين ( أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب ) ذلك مجرد انطباع ، مجرد تفكير ، لكن هذا التفكير والانطباع يولّد موقفًا وينتج سلوكًا عبّرت عنه السورة بالآية التي هي ( وانطلق الملأ منهم ) الأشرار المتمسكون بالخرافة وبالوهم وبالضلال المبين ( وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ، ما سمعنا هذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق ) إن أشراف المكيين أعرضوا عن رسول الله بعد مفاوضات يائسين ، عرفوا أن رسول الله لن يحيد عن دعوة الله ، وأن العرض الذي قدموه في المهادنة ومدّ الجسور والالتقاء على النقطة الوسط أن يترك لهم آلهتهم ليعبدونها ولا يتعرّض لها وأن يتركوا له إلهه يعبده ولا يتعرضون له ، هذه القضية لم تُفلح ، وفشلت فشلًا ذريعًا .

وإذًا فالمشركون أعرضوا وتواصوا فيما بينهم أن كفوا عن هذه المحاولة واصبروا على العبادة الباطلة التي ورثتموها عن الآباء والأجداد .. ( إن هذا لشيء يراد ) إن هذا الموقف المتصلّب المتشدد الذي ترونه من محمد صلى الله عليه وسلم شيء له ما بعده ، إنه يريد منكم شيئًا ، ماذا ؟ إنه يريد الزعامة فيكم ويريد الاستعلاء عليكم ، وهذه قالة الفراعنة منذ فرعون موسى ، ومن قبل ذلك ومن بعد ذلك ، وإلى اليوم وإلى أن تقوم الساعة ، في وجه دعوة الإسلام دائمًا يرفع هذا السلاح المثلوم الفاشل ، إنهم يريدون الكبرياء في الأرض ، ويريدون الاستعلاء في الأرض ، ويا ليت الذين يقولون هذا ناس لهم من الشرف أدنى نصيب ، ومن الوطنية أقل قدر ، ومن الأمانة أقل مقدار . إن الذين يقولونه هم سرقة الشعوب وجلادو الشعوب ومحطمو الشعوب .. وذلك شيء يدعو إلى الأسف . أن تقابل الدعوة المستقيمة النيرة باتهام رجالها بأنه يريدون علوًا في الأرض ، ويريدون أن يتعبّدوا الناس ، وبين أيديهم تاريخ الرسل والأنبياء ، وبين أيديهم تاريخ الإسلام كله ، يكشف لهم عن مبلغ الاحساس بثقل التبعة وضخامة الأمانة التي يحملها رجل الإسلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت