فهرس الكتاب

الصفحة 13539 من 27345

( وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق ) الملة الآخرة قال الكثير من المفسرين إن المراد بها وثنية العرب ، ونحن نرفض هذا القول ، فلم يُعهد في تاريخ الأديان أن الوثنية سميت ملة أو نحلة أودينًا ، والناس كلهم في الماضي والحاضر متفقون على أنه خبل بشري ولوثة في الطبع الإنساني ، أي الشرك والوثنية . والذي نميل إليه أن المراد بقوله تعالى ( ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ) هي الملة النصرانية باعتبارها آخر النبوات ، والذي يبرر لنا بهذا الرأي أن القرآن للمرة الأولى يواجهنا بالتعريض بالنصارى ، قبل ذلك يوجد سبع وثلاثون سورة مضت لم يرد لهؤلاء القوم ذكر ، منذ الآن سوف يبدأ ذكر النصارى واليهود يتردد في أطواء القرآن المكي حتى إذا بلغنا القرآن المدني وجدنا الأبحاث القرآنية تسلط الأضواء عليهم بصورة مباشرة .

ويبرر هذا أيضًا أن النصارى الذين جاءهم عيسى صلوات الله عليه وسلامه جاءهم بالوحدانية وبالحنيفية دين إبراهيم بل دين الله تعالى الذي نادى به الأنبياء والمرسلون جميعًا من لدن آدم إلى خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم . هذه النصرانية التي يُفترض أن تكون أمينة على وحي السماء خرجت بعد ومن قريب لتكون دين وثنية وتعدد وشرك ، والنصارى الذين عاصرتهم الدعوة الإسلامية كانوا يقولون بآلهة ثلاثة: الأب والابن والروح القدس ، وهم متفقون على ذلك جميعًا . فالعرب يحتجون على رفض الوحدانية بالنصرانية التي ليست موحدة ، ولكن الحق لا يُحتج عليه بالباطل ، ومبرر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإسلام هو فساد النصرانية ، ولو أن النصرانية بقيت أمينة على كلمات الله لسقط مبرر إرسال رسالة جديدة ، لأن قانون النبوات هو أن الله جل وعلا يبتعث رسولًا إلى الناس كلما اندرست معالم الديانة الماضية وطفئت مصابيح الهداية التي جاءت على يد آخر رسول كان .

ولهذا قلنا إن النصرانية هي المقصودة بقول الله تعالى ( ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق ) هل انتهت تخرصات المشركين ؟ لا ، أيضًا ثمة نوازع تعمل ( أءلقي الذكر عليه من بيننا ) لماذا اختار الله هذا الفقير اليتيم ولم يختر واحدًا من الزعماء ذوي الثراء وقواد الحروب .. ؟ فهذه مشكلة من المشكلات منشؤها الحسد ، وسوف نرى أن عجز السورة أي آخر السورة سيردّ إلى أولها حينما يتحدث الله عن أول النشأة وما كان من اختصام في الملأ الأعلى بين الله وبين إبليس حينما امتنع عن السجود لآدم ، فلُعن لعنة أبدية بسبب الحسد والكبرياء الذي يعتمل في قلوب هؤلاء الذين يقولون ( أءلقي الذكر عليه من بيننا ) لكنها حجة واهية ، هذا شيء غير صحيح ( بل هم في شك من ذكري ) فالمسألة ليست مسألة حسد وحسب وإنما هي في التحليل الأخير تعود إلى أن هؤلاء الناس شاكون في الله أصلًا ، ولو كانوا يقدرون الله حق قدره لعلموا أن المالك يتصرف في ملكه بدون قيد ، أرأيت أحدًا يمنعك من أن تتصرف في قروشك التي في جيبك ؟ فكل مالك له مطلق الحق في أن يتصرف في ملكه ، فإذا كان الكون لله خلقًا ومن الله إيجادًا وله ملكًا فذلك يعني أن الله يختصّ برحمته من يشاء ويمنع فضله عمن يشاء ولا معقّب لحكمه ( بل الله يحكم ما يريد ) والناس لا خيرة لهم في ذلك ، وإذًا فالقضية قضية شك في أصل الرسالة وليست شيئًا آخر بإطلاق .

( بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب ) لو نزل بساحتهم العذاب كما نزل بساحة المكذبين من قبلهم لجأروا إلى الله بالدعاء ولكن ولات حين مناص ، أي بعد فوات الأوان كما عرضت لنا أول السورة .

ثم يعرض الله عليهم ( أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب ، أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب ) الله هو الذي خلقكم وأوجدكم من العدم ، أفلكم ملك السماوات والأرض ؟ أنت تتصرف بين يديك في شيء قليل من حطام الدنيا ، والله تعالى مالك الدنيا والآخرة ، والله يخبر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة ، وأنت تتصرف منها في شيء لا يُذكر . وماذا بعد ؟ فثمة السماوات والأرض والماضي والحاضر والمستقبل أتدعي أن ذلك لك ؟ تلك إحالة عقلية لا تقع في وهم واهم ، ولهذا سألهم الله ( أم لهم ملك السماوات والأرض ) لكي يعطوا من يشاءون الرسالة ويمنعوها عمن يشاءون ، وإن قالوا: نعم . فليرتقوا في الأسباب ، ليسلكوا الأسباب لتدبير أمر السماوات والأرض ، وذلك غير كائن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت