فهرس الكتاب

الصفحة 8367 من 27345

بقلم: الدكتور جابر قميحة

قال عنه رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم «... لم أرَ عبٍقريا يفٍري فريه...» أي يقطع في الأمور, ويحسمها حسمه, ووصفه رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم بأنه «محدَّث» , أي ملهم, ذو شفافية إيمانية وروحية فائقة, وقد تكون هذه السمة تعليلًا لما نزل بسببه من آيات قرآنية, وما نزل منها موافقًا لرؤيته, حتي قال عنه ابنه عبد اللّه رضي اللّه عنهما «ما نزل بالناس أمر قط, فقالوا فيه, وقال فيه عمر إلا نزل القرآن علي نحو ما قال عمر» . ومن كلمات عمر رضي اللّه عنه «وافقتُ ربي في ثلاث: في مقام إبراهيم, وفي الحجاب, وفي أساري بدر» .

كانت خلافة أبي بكر رضي اللّه عنه قرابة عامين, وقد استغرقها التصدي للمرتدين, والقضاء علي فتنتهم, وتأمين الجبهة الشمالية ببعث أسامة رضي اللّه عنه, وجمع القرآن بعد أن استشهد عشرات من كبار القراء (حفظة القرآن) في قتال مسيلمة بن حبيب الكذاب.

ولكن خلافة عمر رضي اللّه عنه امتدت لعشر سنين وبضعة أشهر, واتسعت هذه السنين للفتوحات العظيمة, ودك دولتيٍ الفرس والروم, وانتشار الإسلام في أرجاء الأرض, وانتعش الاقتصاد, وارتفع مستوي المعيشة, وساد العدل والطمأنينة, وأصبح للإسلام وخليفته المكانة الأولي علي مستوي العالم كله.

وسجل التاريخ للخليفة عمر أكثر من خمسين أولية, لم يسبقه أحد إليها, فله بها مكان السبق والريادة. ومنها أنه كان أول من مصَّر الأمصار بإنشاء مدن جديدة أشهرها الكوفة والبصرة, وأول من استقضي - عيَّن - القضاة في الأمصار, وأول من دوّن الدواوين, فسجل أسماء الناس وأعطياتهم, وأول من اتخذ دارًا للدقيق والمواد التموينية الأخري مثل التمر والزبيب, لإطعام الفقراء, ومن ينزل بالمدينة من الضيوف, وأول من اتخذ بيت المال, وأول من وسّع مسجد الرسول صلي اللّه عليه وسلم وفرشه بالحصا, وأول من جمع الناس علي التراويح في رمضان...

مؤامرة .. وشهيد

ولقي عمر ربه شهيدًا بطعنات غادرة علي يد أبي لؤلؤة المجوسي وهو يصلي الفجر في الأسبوع الأخير من ذي الحجة سنة 32هـ ولفظ آخر أنفاسه بعد طعنه بثلاثة أيام, ومن يتعمق الوقائع آنذاك يدرك - أو يرجح - أن الخليفة قُتل بمؤامرة تعددت أطرافها:

فأبو لؤلؤة - واسمه فيروز - مجوسي موتور, من سبٍي مَعٍركة «نهاوند» , وأنزله سيده: المغيرة بن شعبة المدينة, ويقال إنه ظل وفيًا لوطنه, فكان يبكي ويقبل أيدي أطفال الفرس. وشكا لعمر سيده المغيرة بن شعبة لأنه كان يتقاضي منه أربعة دراهم في اليوم, مع أنه كان صانعًا ماهرًا جدًا في النجارة والحدادة ونحت الحجر, وغيرها. قال له عمر: ما ظلمك مولاك, فأحسن إليه, فقد علمت أنك صَنَاع ماهر تصنع الأرحاء, وقيل إنك تستطيع أن تصنع رحي تدور وتطحن بالريح (أي طاحونة هوائية) . فقال العبد غاضبًا: لأصنعن لك رحي يتحدث بها الناس, فقال عمر لمن معه: هددني العبد آنفًا (أي أن عبارته توحي بأنه ينوي قتلي(

وصنع أبو لؤلؤة خنجرًا له رأسان, يُمسك من وسطه, وسمّه وطعن به الخليفة وهو يكبر لصلاة الفجر, وطعن بالخنجر نفسه ثلاثة عشر من المسلمين, مات منهم تسعة, ثم انتحر بعد أن طرح عليه عبد الرحمن بن عوف بُرنُسه (عباءته) للإمساك به.

ومما يرجح ما ذكرناه آنفًا من أن الجريمة عليها طابع المؤامرة شهادة عبد الرحمن بن أبي بكر رضي اللّه عنهما, وخلاصتها أنه مرّ علي أبي لؤلؤة ومعه جفينة النصراني, والهرمزان الفارسي (أحد قادة الفرس الذين أسرهم المسلمون وعاش في المدينة متظاهرًا بالإسلام) وهم نجيّ (أي مجتمعون يتهامسون) فلما باغتهم اضطربوا, ونهضوا وسقط من بينهم الخنجر الذي قُتل به عمر رضي اللّه عنه (والعرب لم يعرفوا, ولم يستخدموا هذا النوع من الخناجر . والأستاذ علي الطنطاوي - رحمه اللّه - يري في هؤلاء الثلاثة شركاء أصليين, وهناك متهمان فرعيان كانا علي علم بالمؤامرة هما كعب الأحبار وعيينة بن حصن, علي تفصيل لا يتسع المجال لذكره.

إنها الشوري..

وحرصًا علي سلامة الأمة, وترسيخ قاعدة الشوري اختار عمر رضي اللّه عنه ستة من الصحابة يعدون - من وجهة نظره - خير العناصر الصالحة لحكم المسلمين, وهم: علي, وعثمان, وطلحة, والزبير, وسعد بن أبي وقاص, وعبد الرحمن بن عوف 0 علي أن يجتمعوا, ويختاروا من بينهم واحدًا خلال ثلاثة أيام, ليكون خليفة علي المسلمين, ويضم إليهم عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما, يستشار, ولا يُختار. واستقر الأمر علي عثمان بن عفان رضي اللّه عنه, علي ما هو معروف في التاريخ.

رفض عمري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت