وفي هذا السياق نشير إلي واقعة لابد من ذكرها, وخلاصتها أن المغيرة بن شعبة أشار علي عمر رضي اللّه عنه بعد طعنه أن يستخلف بعده ابنه عبد اللّه, فغضب عمر, وقال له: قاتلك اللّه, واللّه ما أردت اللّه بهذا, ولا أربَ (رغبة) لنا في أموركم, وما حمدتُها - الخلافة والسلطة -, فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي, إن كان خيرًا فقد أصبٍنا منه. وإن كان شرًا فحسٍب آل عمر أن يُحاسََب منهم رجل واحد, ويسأل عن أمر أمة محمد صلي اللّه عليه وسلم. أما لقد جهدتُ نفسي, وحَرمتُ أهلي, وإن نجوت كفافًا, لا وزر, ولا أجر إني لسعيد.
شخصية ابن عمر
لقد رفض عمر رضي اللّه عنه أن يستخلف ابنه من بعده حرصًا علي الشوري, وهي قاعدة القواعد في الحكم والخلافة, ولو فعل لتحولت الخلافة إلي ملك عضوض. وأخذًا بالأحوط, وحرصًا منه علي ألا يحكم ابنه من بعده, لم يجعله واحدًا من الستة الذين يختار من بينهم المسلمون خليفة, وحصر حقه في أن يستشار ولا يُختار.
وكأن عمر بفراسته وشفافيته كان يدرك أنه لو كان واحدًا من الستة لرجحت كفته لسببين:
الأول: تعاطف الناس مع عمر, وحبهم له, لما عاشوه في عهده من عدل ورحمة, وحرص علي مصلحة الناس وإسعادهم, وهذا التعاطف سيمتد بداهة إلي ابنه, بل إنه سترتفع درجته - من قبيل الوفاء لعمر - بعد أن لقي ربه شهيدًا.
والثاني: أن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنه كان شخصية «نموذجية متكاملة» , جمعت كل صفات المسلم المثالي التي تؤهله لموقع الخلافة, فهناك إجماع علي أنه كان أشبه الناس برسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم. وتاريخه كله يمثل سجلًا مشرقا في التدين والعلم والسلوك. أسلم مع أبيه, وهاجر إلي المدينة وعمره عشر سنين. وكان حريصًا علي الجهاد من صغره, ولكن النبي صلي اللّه عليه وسلم استصغره فرّده يوم بدر, ورده يوم أُحد. وبدأت مسيرته الجهادية من «الخندق» .
قال عنه رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم «نعم الرجل عبد اللّه, لو كان يصلي من الليل» , فكان بعدها لا ينام من الليل إلا القليل. وقال عليه الصلاة والسلام لحفصة رضي اللّه عنها: «إن أخاك عبد اللّه رجل صالح» .
وعن ورعه وزهده, وتعففه عن متاع الدنيا قال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه: «إن أمٍلك شباب قريش لنفسه عن الدنيا عبد اللّه بن عمر» . وجاء عن السدّي «رأيت نفرًا من الصحابة كانوا يرون أنه ليس أحد فيهم علي الحالة التي فارق عليها النبي صلي اللّه عليه وسلم إلا ابن عمر» .
وعاش بعد رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم ستين عامًا يفتي الناس, وتأتيه الوفود من كل مكان في الأرض يستفتونه. ولا معقب ولا ناقض لما أفتي به, وذلك لسعة علمه وفقهه. قال أحدهم للإمام مالك رضي اللّه عنه «أسمعت من المشايخ يقولون من أخذ بقول ابن عمر لم يدَعٍ من الاستقصاء شيئًا? قال مالك: نعم» .
وكان يبكي إذا سمع قوله تعالي: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق} [الحديد: 61] , وكذلك إذا ذكر رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم.
ومن حرصه علي الشوري ومصلحة المسلمين يروي أن نفرًا أتوه بعد مقتل عثمان بن عفان رضي اللّه عنه, وعرضوا عليه أن يبايعوا له, قال: وكيف لي بالناس? قالوا: تقاتلهم, ونقاتلهم معك (إذا رفضوا أن يبايعوك) . فقال: «واللّه لو اجتمع عليّ أهل الأرض إلا أهل فدَك (وهم قلة قليلة) ما قاتلتهم» .
وعاش لا تأخذه في اللّه لومة لائم: خطب الحجاج بن يوسف يومًا, وأطال, وأخر الصلاة, فقال ابن عمر: إن الشمس لا تنتظرك. فقال له الحجاج: «لقد هممت أن أضرب الذي فيه عيناك (أي رأسك) . فقال له ابن عمر: «إن تفعل فإنك سفيه مُسلّط .
اقرءوا التاريخ يا قادة ...
تلك كانت ملامح شخصية عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما: التقوى والورع والفقه والصلاح والجرأة في الحق والحرص على الشورى ومصلحة المسلمين, ومع ذلك رفض أبوه أن يستخلفه, أو حتي أن يكون واحدًا من المرشحين للخلافة. وبذلك قدم عمر رضي اللّه عنه للأمة والحكام درسًا خالدًا علي مدار التاريخ, ما أحوجنا إلي استيعابه, وأخذ أنفسنا به, وإلا فانتظروا الطوفان والغرق والضياع