فهرس الكتاب

الصفحة 3747 من 27345

بقلم يحيان أصيل

"...أمريكا ليست مكانا حضاريا، إذ لم تقم فيها أية حضارة من قبل، وهذا خلق في الشخصية الأمريكية إحساسا حادا بعدم الانتماء، كما خلق فيها برودا حضاريا زائدا، لم يستطع أي شيء أن يبعث الحرارة فيه ،حتى مع كونها قوة عظمى"

لماذا تسعى أمريكا للاحتلال ؟ وهل هناك أسباب تحت السطح ، تجعل الأمريكيين يواضبون على غزواتهم في ربوع العالم ، من كوريا إلى فيتنام إلى أفغانستان إلى العراق إلى ...؟ هل سئموا من العالم الجديد ، فأسرجوا حاملات طائراتهم وعادوا إلى عالمهم القديم ، بحثا عن حضارة أخرى ؟

هناك عاملان أساسيان يمكنهما أن يقدما إجابة عن هذه الأسئلة:

أولهما:

أن الأمريكيين يؤمنون إيمانا راسخا بالقوة ، ويقدمون أنفسهم على هذا الأساس ، أي كالأبطال العائدين توا من الحرب ، الذين يبحثون عمن يغدق عليهم ورود النصر وألقاب النصر ، وفي أفلامهم نجد أن أجمل لحظة لديهم ، هي تلك التي يعودون فيها مكللين بالنصر ، سواء من بلاد متخلفة ، أومن الفضاء ، بعد أن يقضوا بطبيعة الحال على العدو .

إن هذا العدو يتطور في المخيلة الأمريكية باستمرار ، حيث يتخذ أشكالا متعددة ومتباينة ، ولكنه يتوفر دائما على ميزة مهمة ، هي القدرة على خلق التهديد للأمريكيين والحياة الأمريكية ، لذلك يضخم الأمريكيون أعداءهم المفترضين بصورة لا تصدق ، ليكونوا ندا حقيقيا لهم ، ومبررا لاستخدام القوة ضدهم بشكل مفرط ، كما يحصل في أفلامهم ، وكما حصل في العراق ويحصل في إيران ، هذا مع الحفاظ على الضمير خاليا من التأنيب الذي يمكن أن يسببه هذا الاستخدام المفرط للقوة . وسواء كان الشعور بالتهديد هو الذي يؤدي بالأمريكيين إلى استخدام القوة، أم أن التهديد ما هو إلا المبرر النفسي لاستخدام القوة كهدف رئيسي وغاية أساسية، فإن الحقيقة ، هي أن الأمريكيين يسعون إلى ملأ منطقة باردة في نفوسهم .

لماذا يشعر الأمريكيون بالتهديد ؟

لقد استغل بوش الثقافة الأمريكية التي تقوم على الشعور بالتهديد لشن حرب على عدو خطير متوهم يتصور أنه موجود حتى في مخدعه ، أي بن لادن وصدام حسين ، غير أنه وعلى العكس مما يجب أن يحدث ، لم يعد بالنصر المؤزر إلى قومه ، وإنما عاد بمزيد من الويلات ، ليس على الأمريكيين الذين لا يزالون خائفين في نظر بوش ، وإنما على الأعداء المفترضين الذين كانوا في أفغانستان ، ثم في طورا بورا ، ثم في العراق ، ثم في سوريا وإيران ولبنان ،ثم …

لو بحث بوش في ذهنه لوجد العدو المفترض ، ولكنه لا يفعل ذلك ، بل يتجه إلى الخارج دائما ، لأن هذا الخارج هو الذي بإمكانه أن يخلق شعورا وطنيا لدى الأمريكيين ، هم بأمس الحاجة إليه .

وهنا نصل إلى بيت القصيد ، إن فراغ الأمريكيين من الشعور الحضاري ، يجعلهم يخلقون الأعداء المفترضين لكي يحسوا بانتمائهم . إن هناك لعنة تاريخية تطاردهم ، ولكنها ليست لعنة الهنود الحمر وحدهم ، وإنما لعنة المكان الذي استعمروه .

إن مفهوم المكان الحضاري له أهميته القصوى هنا، والمقصود به ، المكان الذي تداولت عليه الحضارات وسعت للقيام فيه، وهو يقدم للمنتمي إليه الشعور بالمكان و الإحساس بالانتماء ،كما يقدم له المبرر النفسي للوجود ، والطاقة والرغبة في الاستمرار، وأمريكا ليست مكانا حضاريا ، إذ لم تقم فيها أية حضارة من قبل ، مما يعني أنه لم يكن للأمريكيين أية جذور يمكنهم أن يستندوا إليها طوال تقدمهم في التاريخ ، وهذا خلق في الشخصية الأمريكية إحساسا حادا بعدم الانتماء ، كما خلق فيها برودا حضاريا زائدا، لم يستطع أي شيء أن يبعث الحرارة فيه ،حتى مع كونها قوة عظمى .

ومن هنا اتجه الأمريكيون إلى خلق التهديد الأمني الخارجي الذي يمكنهم من الشعور بالدفء والإحساس بالوحدة، وكما قضوا على الهنود الحمر ليستعمروا الأرض وليحوزا على المكان ، يواصلون نفس الدور اليوم في العراق وأفغانستان والعالم بأكمله ، ليحوزا على دفء المكان ، فكل ما يفعلونه اليوم ، ليس بغرض احتلال أرض أخرى ، وإنما لترسيخ وجودهم في موطنهم ، وخلق نوع من الثقافة الدافئة بينهم ، وجعل الأمريكيين ، يحسون بأنهم في أرض حضارية حقيقية ، لم يغتصبوها ولم يستعمروها .

هذه الحقيقة ، هي التي تقود التطور الأمريكي في العراق اليوم وفي سائر الأرض، تماما كما قادته مع صراعه ضد الاتحاد السوفياتي سابقا، وهو ما علينا أن نفهمه بشكل واضح ، واتجاههم إلى ضرب العراق والحضارة الإسلامية عموما ، يحمل هذه المعاني ، ويحيل إلى الحاجة الأمريكية الماسة في الإحساس بكونهم شعبا متحضرا ، خاصة عندما يختلقون مفهوما مضادا للحضارة ، هو الإرهاب ، ويوظفونه لذات الغرض ، أي تدنيس الآخر لتنقية الأنا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت