فهرس الكتاب

الصفحة 3746 من 27345

النقطة الأهم في هذا الحديث ، أنه يجب التنبه إلى فرق هام بين السنة والشيعة في الرؤية الأمريكية ، فالسنة في العموم شعب مقاوم ، والمقاومة ضمن مفردات ثقافته الأساسية ، ولن يرضوا بالهزيمة وإن طالت ، ولكن قد تظهر بين فئات السنة فئة منافقة مستسلمة تقبل بالاحتلال وتتعاون معه .. أما الشيعة فهم شعب مهادن للمحتلين في العموم وليست المقاومة من صفاته- حزب نصر الله حالة خاصة ويمكن الإطلاع على مقالات في الموقع تفسر حقيقة مقاومته - ولكن قد تكون بين الشيعة فئة غير مستأنسة لم ترض بالقسمة الأمريكية لمراكز النفوذ والقوى .. هذا فارق هام يمكن أن يحل لنا إشكالية تغاير التعامل المعقد بين السنة والشيعة في الرؤية الأمريكية ، وهي إشكالية ذات مستويات تحليلية متعددة أغلبها خادع ، ويقع كثيرون في أسر مستوى تحليل أولي يحصر مؤشرات التعامل في بيانات إحصائية محدودة مثل تعداد أعضاء مجلس الحكم أو الوزراء في الحكومة الحالية والمقبلة ، وهذه المؤشرات هامة لا شك في ذلك ، ولكنها قاصرة عن تقديم تفسير أو تقويم مقنع للتعامل الأمريكي مع السنة والشيعة في مراحل تالية ، فليس تعداد العضوية فقط هو المؤشر الوحيد ، فقد يقدم الأمريكيون تنازلا واضحا للسنة ويقومون بتقليص نفوذ الشيعة بطريقة بينة دون حدوث أي تغيير في المناصب أو تعدادها ، وهناك مثالان واضحان على ذلك: أولهما الفقرة (ج ) المثيرة للجدل في قانون إدارة الدولة الذي اعتبره الشيعة محابيا للأكراد السنة على حسابهم واعترضوا على تقليص نفوذهم الذي يسترونه بدعوى الأغلبية السكانية ، وثانيهما: القرار الأمريكي بعودة آلاف البعثيين إلى مناصبهم ووظائفهم في الإدارات الحكومية والجيش العراقي الجديد ، وهو لطمة قوية للشيعة إذ يُقوض جهود عام كامل لإدارة اجتثاث البعث التي يترأسها أحمد الجلبي زعيم المؤتمر الوطني الشيعي ..

نعم نستطيع القول إن الشيعة في العموم هم:"شعب أمريكا المختار"إلا أن ذلك لا يمنع من وجود مرونة واضحة في تطبيق هذا المبدأ ، فأمريكا تتبع مصالحها الخاصة وهي ليست محددة بشعوب معينة ، ولكنها قد تتوافق مع شعوب أكثر من غيرها لكن ليس طول الوقت ، ولو تبين للأمريكيين أن مصالحهم مع السنة دون الشيعة ، لأبعدوا الأخيرة دون تردد ، لذا الضابط هنا هو المصلحة الأمريكية ، وليس المشاعر أو العواطف تجاه الشيعة ..

وسلطات الاحتلال حاليا لها مصلحة في تقديم بعض التنازلات المحسوبة للسنة لإضعاف دوافع المقاومة لديهم ، ولتفتيت التأييد الشعبي للمقاومة ، ولا يشترط أن يتم ذلك بالتلاعب في تركيبة المحاصصة الطائفية ، وإن كانت عودة قيادات عسكرية سنية قديمة لتسلم مناصب في الجيش الجديد يمكن أن تندرج في قائمة المؤشرات الرقمية ..

ونُذكر هنا بما كررناه في مقالات سابقة:"مفهوم قطعة الجبن"الذي يفسر طريقة التعامل الأمريكي مع القوى النافذة في العراق ، فهي لا تهدف إلى تأسيس وضعية ثابتة ومستقرة تتوازن فيها القوى بعيدا عن أي تأثير ، ولكنها تسعى دوما لتشكيل معادلة التوازن الخاصة بها - وهي مائلة دوما - لكي تستفرغ من خلالها الطاقة السياسية العراقية .. ويجب علينا لاستيعاب هذه المتغيرات التخلي عن قوالب التحليل الأولية التي تقتصر على عدد محدود من المتغيرات ولا قابلية لها لاستيعاب الواقع ، ونقصد الاقتصار على بعض البيانات الإحصائية ، وإلا فليُجب حاذق على سؤال: من يحكم لبنان ؟ فالمناصب موزعة طائفيا حسب محاصصة أقرها اتفاق الطائف الشهير: رئاسة الدولة للمارونيين ، ورئاسة الوزراء للسنة ، ورئاسة مجلس النواب للشيعة ، وهذه قسمة واضحة لا لبس فيها ، ولكن هل يعطينا هذا البيان صورة واضحة عن: من يحكم لبنان ؟ كلا .. أين النفوذ السوري في هذه المحاصصة ، أليست سوريا هي اللاعب والمؤثر الأول في الساحة اللبنانية ؟ ولها أنصارها الذين تؤيدهم في التركيبة اللبنانية ؟ ..

خلاصة القول أن تيار الصدر الثوري تيار شاذ بين الشيعة المسالمين ، وأن الأمريكيين يبحثون حاليا عن تيار شاذ مسالم بين السنة المقاومين .. ولهذا كان الخلاف في التعامل الأمريكي بين أزمة الفلوجة وأزمة الصدر ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت