الكاتب: الشيخ د. مسفر بن علي القحطاني
أشارت صحيفة (الإندبندت) في 4 أغسطس 2005م إلى تقرير الشرطة البريطانية الذي كشف عن ارتفاع نسبة العنصرية ضد المسلمين في بريطانيا إلى 600% بعد أحداث التفجيرات التي شهدتها لندن الشهر الماضي .. وهذه الإحصائية زادت من مخاوف وقلق مسلمي بريطانيا الذين يتجاوز عددهم المليونين, علمًا بأن أكثر من 70% منهم لم يتجاوز عمره (25) عامًا.وهذا يعني أنها جالية شابة مع أن عمرها الوجودي في البلاد يعود إلى قرن من الزمان!
هذا الوضع القلق الذي تعيشه الجالية المسلمة في بريطانيا ينذر باحتمال زيادة العنصرية بشكل أكبر في حال لو تجدّدت تلك العمليات الخاطئة الغاشمة .. هذه المعاناة النفسية -وربما المادية- التي يعيشها مسلمو بريطانيا شكّلت نوعًا من الإفاقة المتأخرة نحو كثير من المكتسبات التي لم توظّفها الجالية لصالحها مع امتداد عمرها الطويل في البلاد. فكم من المناصب الهامة والمجالات الحساسة في العمل السياسي والاقتصادي والإعلامي لم تُستثمر بشكل جيد من قبل المسلمين مع وجود الإمكانيات والقدرات الذاتية لذلك..؟! الحقيقة المُرّة أن الجالية -من وجهة نظري- كانت تعيش في بريطانيا من خلال حنين العودة إلى مسقط الرأس، ونسيت أن هناك أجيالًا تتابعت لم تتوارث هذا الحنين بل أصبحت مشدودة الوثاق في بلد المنشأ الأجنبي .. كما سعت الجالية في عدم الاندماج اجتماعيًا من خلال التقوقع في أحيائها ومدنها الخاصة, لكن الأجيال الشابة القادمة والحالية قطعًا سوف تفك هذا الارتباط بالإنسياح التام في الحياة البريطانية بكل ما تحملها من تقاطعات مع معتقد المسلمين .. لذا كانت الحاجة ولا تزال ماسة وبشكل كبير لتوضيح الرؤية المستقبلية والتخطيط لها والعمل المنظم المدروس لكيفية التأثير في المجتمع بدلًا من التهاوي فيه ..
ولعل من أهم العبر التي ألحظها في الأزمة البريطانية وما نتج عنها, كون العنصرية التي أشرت إليها سابقًا وأثّرت في المسلمين بشكل كبير مع أنها لم تتخذ طابعًا متشددًا بسبب موقف الحكومة الصارم من العنف أو الاعتداء ضد الجالية ؛ كانت -وللأسف- تُمارس من قِبل المسلمين أنفسهم و بصور شتى, فهم -وإن مرّوا بدور الضحيّة- فقد مارسوا دور الجلاّد أيضًا وفي صور كثيرة, كان لها الأثر الكبير في حالات الإحباط والضعف لكل الجهود المبذولة في تنسيق الأدوار وتوحيد الكلمة وتكامل البناء, لقد تجذّرت العنصرية بين المسلمين أنفسهم، وليس من أعدائهم حتى أصبحوا شيعًا وأحزابًا ودولًا داخل بريطانيا بل في المدينة الواحدة! ودارت في المساجد والمراكز رحى الكثير من المعارك الفكرية والسياسية التي أثمرت خنادق عميقة يصعب من خلالها لمّ الشمل وتوحيد الصفوف .. وكم أتمنى أن يستفيد المسلمون من أزمتهم الراهنة فيراجعوا أنفسهم ليس كردة فعل آنية بل كخيار حقيقي للمستقبل حيال الكثير من القضايا المصيرية!! فلعل تلك النائبات أهم المحفزات لتلك المراجعة والتغيير الإيجابي ..
هذا المدخل السابق بدأت بالحديث به كواقع عشته وعاشه وتابعه الكثير من المسلمين, يؤكد بمرارة أن التعصب والعنصرية أصبحتا أشبه بالظاهرة المتكررة في المجتمعات الإسلامية .. وعادة ما ندفنها تحت السطح، ولا نثير الحديث حولها خوفًا من بعث الفرقة وتشتيت المسلمين كما نزعم أحيانًا؟! , بينما الممارسات العملية أشد وطأة وأعظم فعلًا؛ فهي لا تنتهي عند حدّ المذهبية الفقهية أو العقدية أو العمل الدعوي أو التيارات الفكرية أو التعصب للإقليم والقبيلة والعرق أو تصنيف الناس وتوزيع الحصص والمناصب على أساس تلك الجاهليات، إنها أشبه بأنماط فكرية بل قنابل موقوته يسهل تفجيرها في أي وقت تحت مبررات كثيرة تحسن لغتها وأساليبها الدول العظمى وأصحاب المطامع السياسية الأخرى.وليس وضع العراق ولبنان والسودان والمغرب..عنا ببعيد .
هذا الموضوع أعتقد أنه من أشكل الموضوعات وأهمها في ظروفنا الراهنة, فما تمرّ به المنطقة من حراك جغرافي قد يعيد تشكيل الخارطة من جديد في كل البلاد العربية يحتم على الجميع نزع ذلك الفتيل الحارق لكل ما تم حصاده من مكتسبات. فمن الضرورة بمكان أن تكون هناك مبادرات قوية وعاجلة من أهل الفكر وأصحاب القرار لِرَأْب الصدع الذي حُفٍر بين أبناء البلد الواحد، و محاولة بناء حضور حقيقي لكل أبناء المجتمع من الشرق والغرب والشمال والجنوب، وتحويل هذا المجتمع المتعدد إلى تكامل وتنوّع حضاري يسهم الكل في إنجاحه والمحافظة عليه ..
أجزم أن هذا الموضوع ليس بالجديد على القارئ الكريم، لكن محاولة التغيير في الوعي كمرحلة أولى فضلًا عن التغيير الحقيقي في الميدان تمر بصورة بطيئة ومتخاذلة, ولا أدري: هل يمكن أن تكون صحوتنا هي مجرد البكاء على الأطلال بعد فوات الأوا