بالحكمة والموعظة الحسنة
بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
( ادعُ إِلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربّك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين )
[ النحل: 125 ]
يطلق كثير من المسلمين هذه الآية الكريمة حجّة لهم في موقع غير موقعها ليسوّغوا عجزًا أَو تنازلًا أو عدم تقدير حقيقي لعظمة هذه الآية الكريمة وشدة ارتباطها مع كامل منهاج الله في تناسق وإِعجاز مع يُسْر للناس في فهمها وتدبرها .
إن الآية الكريمة تمثّل حقًّا مطلقًا جاء من عند الله وحيًا على محمد صلى الله عليه وسلم . وستظل هذه الآية الكريمة غنيّة الممارسة والتطبيق في كل واقع بشري . ولنفهم الآية الكريمة ونتدبرها يجب أن نفهم القضيّة التي تعالجها .
إن الآية تبتدئ بعرض القضية والموضوع: ( ادع إلى سبيل ربّك ... ) . هذه هي القضية التي تتحدث عنها هذه الآية الكريمة متناسقة مع جميع الآيات الأُخرى في القرآن الكريم ، الآيات التي تتحدث عن هذه القضية وأساليبها ووسائلها . إنها قضيّة الدعوة والإيمان والتوحيد ، إلى الله ورسوله ، إلى دين الله الحق ـ الإسلام ـ ، لإخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ، ومن عبادة العباد والأوثان والأهواء إلى عبادة الله الذي لا إله إلا هو . إن هذه القضية تمثل القضية الكبرى في الكون والحياة ، القضيّة التي من أجلها بعث الله الرسل والأنبياء الذين ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبالقرآن الكريم الذي جاء مصدّقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه . إنها تمثل الهدف الرّبانيّ الثابت الأول في حياة المسلم وفي مسيرة الدعوة الإسلامية . ومن أجل هذه القضية تقوم الدعوة الإسلامية في الأرض لإنقاذ الناس من عذاب الدار الآخرة لمن يموت على الشرك أو الكفر ، ولإنقاذ الناس من فتنة الدنيا .
القضية التي تدور حولها الآية والآيات التي قبلها وبعدها هي قضية دعوة الناس إلى الإيمان والتوحيد . ومن أجل هذا الهدف العظيم تتحدّد علاقة المسلم بسائر الناس على ضوء قواعد ربّانية يفصّلها منهاج الله .
إن التوجيه في هذه الآية هو للداعية العامل ، الداعية المجاهد الذي عرف دربه وهدفه ، وعرف عهده مع الله ليكون الحافز الدائم ليمضي على الدرب يبلّغ رسالة الله .
فمن أجل ذلك جاء التوجيه الرباني ( .. بالحكمة والموعظة الحسنة .. ) . هذه هي القاعدة الأولى الهامة ، أن تكون الدعوة بالحكمة أولًا ، باختيار الأسلوب الأمثل المليء بالحكمة لتبليغ رسالة الله واضحة جليّة دون مواربة ولا تنازلات ولا مساومات . لا يحلّ للداعية المسلم أن يغيّر أو يبدل دين الله ، وفي الأساليب التي بيّنها منهاج الله ، ثم يقول: إن هذا التغيير أو التنازل هو من باب الحكمة .
والحكمة هي في بعض الآيات تعني ما أُنزل من عند الله ، وفي أخرى يكون معناها الجامع: فقه الموهبة المؤمنة والمسؤولية والأمانة .
وهنا يحاول بعض المسلمين أن يقرّب الإسلام من العلمانية مدّعيًا أن تقريبهما هو من باب الحكمة ، أو ضرورات الواقع ، أو المصلحة العامة التي يتوهمها .
إن أسلوب الحكمة نستطيع أن نفهمه من كتاب الله نفسه ، ومن هذه الآية الكريمة بقوله سبحانه وتعالى: ( والموعظة الحسنة ) والموعظة هي أن تبيّن لهم عظمة الإسلام والإيمان وقوة ثباتك أيها الداعية المسلم عليه . والموعظة الحسنة هي: الوضوح في الكلمة المؤمنة الطيبة ، والصدق فيها ، حتى لا يكون هنالك مجال لسوء الفهم أو التغرير . إنها تتأكد بقوله سبحانه وتعالى ( ... وقولوا للناس حسنًا ... ) [ البقرة: 83 ]
وبقوله تعالى: (.. وهدوا إلى الطيّب من القول وهدوا إلى صراط الحميد )
[ الحج: 24 ]
يجمع الله سبحانه وتعالى معاني ( قولوا حسنًا ) ، ( الطيب من القول ) ، ( الموعظة الحسنة ) ، ( صراط الحميد ) ، وغير ذلك من الآيات الكريمة ، بقوله الجامع في آية جامعة:
( ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين ) [ فصلت: 23 ]
إنها آية جامعة لكل ما سبق ، مفصِّلة لمعنى: بالحكمة والموعظة الحسنة ، وغير ذلك مما ذكرناه سابقًا . إنها تجمع ذلك في ثلاث قضايا أو خطوات: أولًا: ( ... دعا إلى الله .. ) : أن تكون الدعوة إلى الله هي جوهر العلاقة دون تغيير ولا تبديل ، ودون تمويه ولا مماراة ، ودون ضعف أو تردد . ثانيًا ( ... وعمل صالحًا .. ) ، حتى يرى الناس أن قولك مطابق لعملك ، وأنك ملتزم بما تقتضيه دعوة الناس إلى الله: كلمة ونهجًا وتطبيقًا ، ليروا الإسلام ليس في الكلمات ولكن ليروه في واقع الحياة حيًّا ناطقًا بالحق . ثالثًا ( ... وقال إِنني من المسلمين ) : إنه الوضوح والجلاء وإعلان الهُويَّة لمن تدعوه ، حتى يطمئنّ إلى صدقك واستقامتك ، وأنك تعلن الحق ولا تتنازل عن شيء منه أبدًا ، وترفض الباطل ولا تقبل منه شيئًا .