فهرس الكتاب

الصفحة 3237 من 27345

إن اللحظة التي يتنازل فيها الداعية عن شيء من الحق ، أو يقبل فيها شيئًا من الباطل ، تكون دعوته قد انتهت وسقطت وخسر الموقف كله ، وفتح الباب لشياطين الإنس والجنّ أن تلج وتتسلل ، ثم تمتد وتقوى ، وإذا الداعية المسلم أصبح يدعو بدعوة هؤلاء تحت شعار ( الحكمة ) ! إذا به يدعو إلى الحداثة أو العلمانية أو الديمقراطية أو الاشتراكية ، كل ذلك بدعوى الحكمة والموعظة الحسنة .

الأمثلة على ذلك كثيرة: داعية مسلم يدعو في قلب أمريكا إلى الديمقراطية ، وداعية مسلم ينتقل من بلد إلى بلد ، يبذل جهده وماله ووقته ليبيّن للناس فضائل الديمقراطية ( لأنها المثل الذي يحتذى ) ، ولا يتطرّق إلى الإسلام ودعوته ، وداعية ينتقل ليبيّن للناس أنه ( لا خلاف بين مقصود الشريعة الإسلامية والعَلمانية ) ، وداعية مسلم يحتضن ( الاشتراكيين ) ويتنازل لهم ويسكت عن بعض مناهجهم المنحرفة ، فإذا هو راضٍ عنها أو داعية لها . ذلك لأَنّ الشيطان يُزيّن للإنسان سوء عمله حتى يراه حسنًا دون أن يشعر أنه مخطئ . إنه أمر طبيعي ! إن الحق يرفض أن يُتنازل عنه أو عن شيء منه أو أن يتجزأ ، لأنه عزيز قوي من عند الله ، وإن الحق يرفض أن يُشرَك معه باطل ، لأن الحق من عند الله والباطل من الشيطان وأَعدائه .

ليس أمام الداعية المسلم إلا سبيل واحدة:

( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) [ يوسف: 108 ]

نعم: ( أدعو إلى الله ) ! ، وليس إلى غيره ، أبلغ رسالة الله إلى الناس ، نعم: ( على بصيرة ) ! ، على إيمان ويقين ، ونهج واضح ودرب جليّ ، وأهداف مشرقة لا انحراف عنها !

( أنا ومن اتبعني ) ! فالمؤمنون أمة واحدة تمضي على سبيل واحدة إلى أهداف واحدة ، تنزيهًا لله دون شرك أبدًا .

إنه ليس من الحكمة ولا من الموعظة الحسنة أبدًا أن لا تدعو إِلى الله ، أو أن تعطّل الدعوة إلى الله بالانشغال عنها بما هو أقل منها شأنًا عند الله ، أو تُفرِّق الدعوة أجزاءً غير مترابطة لا تكون نهجًا متصلًا ولا سبيلًا ممتدًا: ( قل هذه سبيلي ) ! فالأمر من الله جَليُّ حاسم: ( ادعُ إلى ربّك .. ) ! بلّغ رسالة الله إلى الناس !

إنه ليس من الحكمة ولا من الموعظة الحسنة أن تدعو إلى شيء من ( دون الله ) ، ولا إلى أمر من ( دون الله ) . فقد جاء النهي من الله عن ذلك جليًا حاسمًا: ( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذن من الظالمين ) [ يونس: 106 ]

( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا ) [ الجن: 18 ]

( قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدًا ) [ الجن: 20 ]

إنه ليس من الحكمة ولا من الموعظة الحسنة أن لا تبلّغ رسالة الله كاملة ، كما أُنْزلتْ من عند الله ، أو أن تخفي منها شيئًا ، مداراة لوهم قذفه الشيطان في نفسك ، أو ظنًّا منك أنك بإخفاء شيء من رسالة الله أو تحويره تبلغ هدفك ، فالله أعلم ولقد جاء أمره جلياًّ حاسمًا:

( يا أيها النبي بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين ) [ المائدة: 67 ]

( وقل الحقُ من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أَعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقًا ) [ الكهف: 29 ]

إنك أيها الداعية المسلم إن أخفيت شيئًا خسرت أمرين: خسرت احترام مَنْ تدعوه ، لأنه يعرف دينك الذي لا يؤمن هو به ، ويعرف أنك غيّرت وبدّلت وخسرت رضاء الله وعونه ونصره ، فما النصر إلا من عند الله .

إنه ليس من الحكمة ولا من الموعظة الحسنة أن تخالف أمر الله وما أوحى به إلى عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، أن تخالف ذلك إلى هواك واجتهادك البشري على غير أساس من دين الله . فلقد جاء أمر الله جليًّا حاسمًا:

(واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين )

[ يونس: 109]

( فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنزُ أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل )

[ هود: 12 ]

ليس من الحكمة أن نُصَوِّر الإسلام أنه دين المسالمة والمساومة والتنازلات كي نركن إلى من لا يؤمن بالله ، أو انحرف عن دين الله ، أو دعا إلى غير الله ، أو افترى على الله كذبًا وادَّعى باطلًا أو أخفى وبدَّل وغيَّر ، ولا هو من الحكمة أن نخفي ما فرضه الله نصًا صريحًا في الكتاب والسنة من عدم موالاة المشركين والكافرين والمنافقين ، أو نخفي ما أمر الله به من جهاد في سبيل الله . ليس من الحكمة أن نخفي ما بيّنه الله للناس ، ولا أن نركن إلى الظالمين ، فقد جاء الأمر من عند الله جلياًّ حاسمًا في كل ذلك ، وأمر المؤمنين بالصبر على ما يلقونه في سبيل الله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت