أحمد فهمي
في 23 مايو من العام الماضي أصدرت سلطات الاحتلال الأمريكية في العراق قرارا بحل وزارة الدفاع العراقية ، وتسريح العاملين في الجيش ليجد أكثر من 400 ألف عسكري عراقي أنفسهم في الشارع ، كما شكلت"لجنة اجتثاث"البعث وأوكلت رئاستها إلى أحمد الجلبي الشيعي زعيم المؤتمر الوطني العراقي وأحد ألد أعداء حزب البعث ، ليتشرد حوالي 30 ألف عراقي أغلبيتهم الساحقة من السنة ومن بينهم المدرسون والعاملون في الإدارات الحكومية المختلفة وأساتذة الجامعات ، وكان من المقرر أن يتم إبعاد عددا مماثلا في الفترة القادمة ، ولكن فجأة قررت الإدارة الأمريكية أن تعدل عن قرارها وتعيد عشرات الآلاف من الذين تم إبعادهم ، وكانت الحجة أن هناك ظلم وقع على هؤلاء الذين لم يكن انتماؤهم إلى البعث أصيلا بل كانوا مجبرين عليه .. وهنا ثارت ثائرة الشيعة واعتبروا أن ذلك ردة عن تعهدات أمريكية سابقة لهم ، وفقدت لجنة اجتثاث البعث نفوذها إلى حد كبير ، واختلفت التفسيرات لهذا القرار العجيب المفاجئ ، وطرحت احتمالات مختلفة ، وفسرت الإدارة الأمريكية القرار بأنه إجراء عادي لرفع الظلم عن الذين تسبب بطء الإجراءات في إبعادهم عن أعمالهم ، وأكدت أنها لن تسمح بعودة الذين شاركوا في عمليات الاغتيال أو التعذيب ، كما لن تسمح بعودة فكر البعث وأيديولوجيته .. ونسلط الضوء في النقاط التالية على أهم الأسباب الحقيقية التي دفعت الأمريكيين لاتخاذ هذا القرار وعلى الاحتمالات المتوقعة في الفترة المقبلة .
أولا: لا يمكن اعتماد التبسيط أو التصريحات المباشرة مدخلا لفهم الأداء السياسي الأمريكي في العراق ، فالبعض يفسر هذا الأداء من خلال مفهومات مستقلة غير مرتبطة بالوقائع على الأرض ، فيعتمد مثلا على نظرية المؤامرة ، أو على حقيقة التورط الأمريكي لكي يطلق أحكاما مسبقة على مفردات السياسة الأمريكية في العراق ، وهذا منهج خاطئ لن يوصل إلى نتائج صحيحة ، والصواب أن تقدر الأمور بقدرها ، وأن يفسر الأداء الأمريكي من خلال منظومة شاملة تتكون من عدة مفهومات تجمع ما سبق وغيره ، وعلى ضوء ذلك نقول أن القرار الأمريكي بإعادة كوادر البعث السابقين لم يكن من أجل رفع الظلم عنهم ،ولم يكن كذلك إجراءا عاديا بل هو قرار له ما وراءه كما سنعرف لاحقا ..
ثانيا: تحدثنا في مقال سابق عن مفهوم"القرد وقطعة الجبن"في تفسير التعامل الأمريكي مع إشكالية العلاقة بين السنة والشيعة في العراق ، وأنها تسعى دوما لكي يكون الميزان مائلا لأحد الأطراف لكي تفسح المجال لتراكم ضغوطات كبيرة مع الوقت تدفع في اتجاه اعتدال الميزان ، وهنا تبدأ في اتخاذ قرارات تبدو لأول وهلة أنها تصب في اتجاه المساواة بين الكفتين ، ولكن عند التأمل يتبين أنها تسعى لإمالة الكفة إلى الناحية الأخرى ، فالسنة وقع عليهم ظلم بين بسبب الإبعاد بدعوى الانتماء البعثي ، وتعرض كثيرون للانتقام بسبب هذه الإدعاءات التي تحكََم فيها الشيعة في رقاب السنة ، وبعد سنة كاملة تأتي الإدارة الأمريكية لتقول للشيعة: ها قد أشبعتم رغبة الانتقام ، فدعونا نفكر بطريقة أخرى ، ومن ثم تأمر بعودة البعثيين لكي يبدأ الشيعة في البكاء واللطم حزنا على عودة البعثيين ، ووفق ذلك يمكن تفسير تعيين سمير الصميدعي المنتمي إلى السنة وزيرا للداخلية بدلا عن نوري بدران الشيعي ، ومثل هذه الإجراءات من شأنها أن تجعل العلاقة بين السنة والشيعة في حالة توتر دائم ..
ثالثا: كان الأمريكيون يغالون في دور البعثيين السابقين في المقاومة ، وقبل اعتقال صدام حسين كان الناس يعتقدون أنه يدير المقاومة في جميع أنحاء العراق بالريموت كونترول ، ولكن بعد اعتقاله لم يبد على المقاومة أي تأثر سواء بسبب توقفه عن القيادة المزعومة ، أو بسبب الانتقام لاعتقاله ، ومثل ذلك ينطبق على أهم قادة البعث ، وبالتالي فإن الحديث عن دور مبالغ فيه لحزب البعث في المقاومة غير صحيح ، وقبل القرار الأخير بدا واضحا الترويج لدور البعث في المقاومة ، وفي الفلوجة تحدثت تقارير عن مفاوضات بين المقاومة الإسلامية والبعثية في المدينة وبين الاحتلال ، وتقارير أخرى ذكرت الأزمات التي يثيرها البعثيون بسبب إبعادهم عن العمل ، وفي لقاء عقد الجمعة الماضية في محافظة صلاح الدين (200 كلم جنوب بغداد) مسقط رأس صدام حسين ، أكد رئيس إحدى العشائر السنية في المحافظة للحاكم الامريكي بول بريمر أنه:"في محافظة صلاح الدين هناك 6750 بعثيا سابقا يسببون المشاكل، وإذا لم نعطهم أجورهم وإذا ما قام أحد آخر بذلك فإننا نخشى أن نخسر سلطتنا عليهم مما سيجعلهم ينضمون إلى معسكر المخربين"وحتى لو كان ذلك حقيقيا فإن الغرض منه التشويش على المقاومة وإظهارها على أنها محاولات شغب يمكن استيعابها ببعض الدولارات ، وليست حركة نضالية من أجل طرد المحتل ..