فهرس الكتاب

الصفحة 3213 من 27345

اختلاف الاقتصاد بين الإسلام والرأسمالية

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

لقد وضع الإسلام الأسس الكفيلة لقيام نظام اقتصادي غير ربويّ يُحقِّق مصلحة الناس في واقعهم المادي في الحياة الدنيا ، ويعين على نجاتهم في الدار الأخرى . لا نستطيع أن نطرق جميع الأسس الاقتصادية في الإسلام ولكننا نورد هنا الآيات المتعلقة بالربا من سورة البقرة:

(( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرّم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون * يمحق الله الربا ويربى الصدقات والله لا يحبَ كلّ كفار أثيم * إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله * وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون * وإن كان ذو عُسرةٍ فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون * واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله ثمّ توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) ) [ البقرة: 275 ـ 281 ]

وعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لعن الله آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه" ( 1 )

إِن هذا التحريم للربا هو أشدّ أَنواع التحريم التي وردت في كتاب الله . وتأكَّد التحريم في آيات أخرى ، وكذلك في الأحاديث النبوية ، نذكر منها هنا حديثين شريفين:

فعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال"لعن الله الربا ، وآكله ، وموكله وكاتبه ، وشاهده وهم يعلمون ، والواصلة ، والمستوصلة ، والواشمة والمستوشمة ، والنامصة والمنمّصة" ( 2 )

وكذلك في خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، حيث قال:"ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع عنكم كله ، لكم رؤوس أموالكم لا تَظْلِمون . وأول ربا موضوع هو ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله" [ رواه ابن أبي حاتم ] (3)

ولم يكن تحريم الربا في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقط ، وإنما كان التحريم في الإسلام في رسالة جميع الأنبياء وخاصة في رسالة موسى ورسالة عيسى عليهما السلام ، حيث أشار القرآن الكريم إلى ذلك:

(( وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابًا أليمًا ) )

[ النساء: 161 ]

إن هذا التحريم للربا وامتداد التحريم قرونًا طويلة جدًا مع الأنبياء والرسل ، لدليل واضح على شدة خطورة الربا وشدة إفساد في الحياة البشرية ، وفساد النظام الاقتصادي القائم على الربا .

لقد مارس المسلمون أيام النبوة الخاتمة ، وما تلاها من عصور ، نظامًا اقتصاديًا خاليًا من الربا في واقعهم البشري . والمسلمون مكلفون بممارسة نفس النظام بقواعده العامة في كل واقع جديد ، على أن يضعوا تفصيلات النظام من منهاج الله ومن حاجة الواقع الجديد الذي يُفَهَم من خلال منهاج الله .

والربا هو صورة من صور أكل أموال الناس بالباطل . فالتحريم من حيث الأساس هو تحريم لأكل أموال الناس بالباطل في جميع صوره وأشكاله .

والنظام الرأسمالي والشيوعي صورتان مفزعتان لأكل أموال الناس بالباطل . فقد دخلت انكلترا الهند متسللة بالحركات التنصيرية والشركات التجارية ، ثم احتلتها عسكريًا . فنهبت الهند وكنوزها وخيراتها وشعبها ، وما خرجت من الهند إلا وقد تركت الشعب فقيرًا ممزّقًا ، والبلاد متأخرة متخلفة . وقس على ذلك سائر الدول الرأسمالية التي دخلت أقطار العالم الإسلامي الغنيّة في ثرواتها وخيراتها ، فما تركتها إلا وهي فقيرة ممزّقة متخلفة . لقد أكلت الدول الرأسمالية أموال العالم الإسلامي بالباطل أكلًا حرامًا ، وأنشأت النظام الرأسمالي فيه على نفس الأُسس من الظلم والعدوان ونهب الثروات وأكل المال الحرام ، حتى أصبح العالم الإسلامي يسمىّ العالم الثالث المتخلف .

ولم يأكل العالم الرأسمالي أموال العالم الإسلامي وحده بالباطل ، بل أكل أموال شعوبه بالباطل أيضًا ، حتى تكوّنت طبقات على أُسس غير عادلة ولا أمينة ، وحتى كثرت البطالة وتوالت الأزمات الاقتصادية ، وتنافست الدول الرأسمالية في صراع محموم من أجل أكل الأموال بالباطل . وأقامت هذه الدول الرأسمالية مؤسساتها على نفس الأسس من أكل المال بالباطل ، مهما اختلفت أسماءها وأشكالها وأنظمتها .

وقد وصف القرآن الكريم لنا هذا النشاط الماليّ الحرام يقوم به كثير من الأحبار والرهبان وصفًا جليًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت