فهرس الكتاب

الصفحة 3214 من 27345

(( يا أيها الذين آمنوا إن كثيرًا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ) )

[ التوبة: 34، 35 ]

وهكذا بيّن الله سبحانه وتعالى أساس التعامل الحرام بالمال . إنه أكل أموال الناس بالباطل ، والربا باب من أبوابه ، أو أنه يجمع الأبواب كلها . وبيّن الإسلام أبواب الكسب الحلال وحثّ عليها ، وبيّن أبواب الكسب الحرام وما يحرم من البيوع فنهى عن ذلك كله .

وارتبط أكل المال بالباطل في الآية السابقة بكنز الذهب والفضّة ، وبعدم إنفاقها في سبيل الله . فجعل الإسلام للكسب الحلال شروطًا وقواعد ، وجعل للإنفاق الحقّ شروطًا وقواعد . وذلك كله لصلاح الإنسان على الأرض ، وصلاح الشعوب كلها إذا التزمت وتعاونت على ممارسة قواعد الإيمان .

فالنظام الرأسمالي ومؤسساته لا يقع المال الحرام فيه من باب واحد ، ولكن من أبواب متعددة تجمعها كلمة"أكل أموال الناس بالباطل""وكنز الأموال وعدم إنفاقها في سبيل الله". فأصبحت المؤسسات الرأسمالية تجمع الحرام من ناحيتين: من أكل أموال الناس بالباطل من جميع أبوابه وسبله الحرام ، ومن الإنفاق في غير سبيل الله ، من الإنفاق على الصدّ عن سبيل الله ، والإِنفاق على الفتنة والفساد والكبائر كلها ، حتى أَصبح هذا النظام ومؤسساته معجونًا بالربا والحرام عجنًا .

ولقد غزا هذا النظام الشعوب كلها وغزا العالم الإسلامي ، يقوده علوم وتقنية ، ونظم إدارية متطورة تحميه وتحمي رجاله المتحكمين ، وهيئات ومؤسسات تعمل ليل نهار ، لتوفّر هذه العلوم والتقنية والإدارة والمؤسسات وسائل نهب الشعوب ، وسائل الكسب الحرام والإنفاق الحرام ، ويحمي هذا النظام الاقتصادي سياسة ونظام سياسي وقوة عسكرية نامية مدمرة .

وكان من أهم آثار ذلك انتشار الأزمات الاقتصادية وانتشار البطالة ، وانتشار الفتنة والفساد والجرائم ، والحروب التي لا تكاد تتوقف ، والمؤامرات في جوف الليل وفي وضح النهار ، حتى ظهر الفساد في البّر والبّحر والجو .

وغزا هذا كله العالم الإسلاميّ كالطوفان . والمسلمون متفرّقون متخلّفون أنهكهم الصراع بينهم حتى استفاد عدوهم من ذلك . وامتدت المؤسسات الماليّة الرأسمالية إلى العالم الإسلامي ، واضطرب المسلمون وحاروا كيف يتعاملون مع هذه المؤسسات ، وصدرت فتاوى هنا وفتاوى هناك ، فتاوى يناقض بعضها بعضًا .

وأول ملاحظة لنا على ذلك هو أنه كانت تآخذ القضية الجزئية الواحدة معزولة عن نظامها الكلي ، فلا تبدو الصورة عندئذ على حقيقتها ، ولا تبرز الجريمة في هذه الجزئية أو تلك بعد أن عُزِلت ثم زُخْرِفت بوسائل شتى من وسائل التجميل لإزالة القبح الكبير المتخفِّي . وقد لا يبدو وجه"الحرام"في هذه الجزئية بعد عزلها وإخفاء ارتباطها بالنظام الكلّي الذي نَبَعَتْ منه وحملت معها منه أشكالًا متعددة من الحرام ! .

لذلك اضطرب الرأي حول"الفائدة"التي تقدمها المؤسسات المالية . ولقد كان الرأي الأول أن يضع المسلم ماله فيها في"الحساب الجاري"الذي لا تُؤخذ معه الفائدة التي تُعْتَبر حرامًا ومالًا خبيثًا . وصارت القناعة لدى عامة الناس أنهم إن فعلوا ذلك تجنَّبوا الحرام ، وأنَّ تعاملهم مع المؤسسة المالية أصبح حلالًا لا إثم فيه ولا معصية . وغاب عن بال هؤلاء أنه لا فرق في عمل المؤسسات المالية مع الأموال بين حساب جارٍ وحساب غير جارِ إلا في الدفاتر أو في بعضها . أما الأموال عامة فتدخل في نشاط المؤسسة دون تفريق ، ويكون لهذا الحساب"فائدة"ولذلك الحساب"فائدة"والفرق الوحيد أن"المودع"تَبَّرع بالفائدة عمليًا للمؤسسة ويُعْتَبَرُ مال المودَع قد دخل في المعاملات التي استحقت"الفائدة". فإن كانت الفائدة حرامًا فقد دخل في الحرام كمن وضع ماله في حساب الفائدة ، لأن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم جعل الإثم واللعنة على آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه . والمودِعُ شاهد على الأقل ، وإذا ادّعى الجهل فهذا جهل لا يُعِذَر فيه ، لأنه أمر عام عليه أن يستوضح قبل التورّط . وغاب عن بال هؤلاء ، أنهم إذا اعتبروا الفائدة ربًا حرامًا ، فلا يكون الإثم متوقفًا على قبض الفائدة وتسلمها ، ولكن الإثم يبتدئ بالتعامل مع مؤسسة هو يعتبرها ربويّة .

ورأي آخر يقول إِن أخذ"الفائدة"وهي ربًا في نظره ومال خبيث ، أفضل من أن يتركها للبنك . ولكن لا يُنْفِقُها على نفسه وأهله ، بل يتصدّق بها ، وليس له أجر على ذلك من عند الله ، لأنها مال خبيث ، وليس له إلا رأس ماله يبقي طيبًا لقوله سبحانه وتعالى:

(( .. فلكم رؤوس أموالكم لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمون ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت