فهرس الكتاب

الصفحة 3215 من 27345

ونعتقد أن هذا الرأي وقع في أخطاء . أولها أنه ليس لأحد من الخلق أن يطلق الأجر من عند الله أو يمنعه ، فالله وحده يجزي كما يشاء من يشاء على ميزان عادل وحكمة بالغة لا يحيط بها الناس . فلا حاجة للتدخّل في هذا الأمر . وثانيًا أنه إذا كانت"الفائدة"ربًا ومالًا حرامًا خبيثًا فلا يعني هذا أن رأس المال يظلّ على طهارته ، ولا يعني أن للناس رؤوس أموالهم حلالًا ، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى اشترط في نصّ القرآن لجواز أخذ رأس المال الذي يعمل في الربا ، اشترط أن يتوقف التعامل بالربا فورًا وأن يتوب المسلم توبة صادقة فلا يعود إلى الربا . فقد جاء النصّ في القرآن الكريم (( .. فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون ) ). فالشرط هنا"فإن تبتم"أي إذا توّقفتم عن التعامل بالربا . أما إذا كان المال مستمرًا في تعامله بالربا ، ولم تقع التوبة ، فإن رأس المال لا يكون طاهرًا وقد عُجِن بالربا عجنًا واستمَّر فيه .

والخطر من مثل هذا الرأي هو أن الناس تُقبل على التعامل مع مؤسسة يرون هم أنفسهم أنها ربوية ، ويظنّون أَنهم بسلوكهم هذا قد حَلّ لهم التعامل مع المؤسسة الربويَّة . ثم يعتاد الناس ذلك ويألفونه ، ويدعمونه ويصبحون قوة له ، وتتهاون العزائم عن السعي إلى الحل الأمثل ، وتصبح هذه الآراء أقرب للتخدير منها إلى التوعية . وإن إقامة النظام الاقتصادي الإسلامي البديل يفرض ممارسة منهاج الله بكامله في الواقع البشري ، ممارسة تقدّم النظام الاقتصادي الإسلامي البديل ليحلّ محل النظام الرأسمالي ، والنظام الإداريّ الإسلامي البديل ، والنظام الاجتماعي الإسلامي البديل ، والنظام السياسي الإسلامي البديل والعسكري الإسلامي ، وهكذا في مختلف شؤون الحياة ذلك لأنه يتعذّر تطبيق جانب من الإسلام وإهمال الجوانب الأخرى ..إن نجاح الممارسة الإيمانية لأيّ جانب من الإسلام في حياة الإنسان أو الأُمة يفرض الممارسة الإيمانية لسائر الجوانب دون إغفال أي جزء من الإسلام . إن الإسلام منهاج ربّني متكامل مترابط متناسق بعمل بكل أجزائه معًا .

(( .. أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردّون إلى أشدّ العذاب وما الله بغافل عما تعملون ) ) [ البقرة: 85 ]

وكذلك:

(( وقل إني أنا النذير المبين * كما أنزلنا على المقتسمين * الذين جعلوا القرآن عضين * فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون ) ) [ الحجر: 89- 93 ]

إن محاولات التوفيق بين الإسلام والديانات الأُخرى التي خرجت منها العَلمانية ، أو التوفيق الإسلام والعَلمانية ، جهود ضائعة ، خير منها أن تُبْذَلَ الجهود لإقامة دين الله - الإسلام - في الأرض كلها ، من أجل سعادة الإنسان والشعوب كلها .

في واقع الشعوب اليوم مؤسسات ربوية واضحة ، مؤسسات تخلط الربا بغيره ، فيفسد العمل كله . وتواجه الشعوب اليوم هذا النظام الاقتصادي العالميّ الربَوي ، النظام الذي أقامه أهل الكتاب والعَلمانيون واليهود بخاصة ، والنظام العالمي يفرض بالقوة بكل وسائل نظامه الاقتصاديّ ، دون أن يكون بديل يحل محله . فكانت نتيجة المواجهة الاستسلام والعجز ومحاولات البحث عن مخرج بآراء ونظريات متناقضة متضاربة ، أو ردود فعل ارتجالية ميدانًا عن ميدان ، وقضية عن قضية ، فيفقد كل ميدان قوى تسانده ، وتفقد كل قضية قوى تساندها .

إن بلوغ الحل الأمثل لا يمكن تحقيقه في واقعنا اليوم بين يوم وليلة . ولكنه فرض على المسلمين أن يسعوا إليه . وإن بلوغه يتطلب جهودًا واعية حقيقية ، ونهجًا وتخطيطًا ، وتعاونًا وبذلًا .

ولا يستطيع الفرد المسلم أن يجابه هذا الواقع وحده . ولكن كل مسلم يستطيع أن ينهض إلى مسؤولياته التي وضعها الله في عنقه وفرضها عليه حتى تجتمع الجهود وتصبّ كلها في مجرى واحد .

وخلال ذلك قد يجد المسلم الفرد أو الجماعة أو الأمة أنفسهم أمام واقع ، يضطرون فيه إلى التعامل مع مؤسسات ربوية . فتصبح القضية هي التعامل تحت ضغط الضرورة ، مع الإقرار بأن التعامل حرام لا يجوز إلا للضرورة ، ومع واجب القيام بالمسؤوليات الشرعية التي أمر الله بها ، والتي تسعى بتكاتفها إلى بلوغ الحل الأمثل .

إن تساؤل عن التعامل مع المؤسسات أَحلال أم حرام ، وفي الوقت نفسه لا يوفي المسؤوليات التي كلفه الله بها ، ولا يوفي الأمانة والعهد مع الله ، هو تساؤل عاجز يعطل مسيرة المؤمنين إلى الحل الأمثل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت