فهرس الكتاب

الصفحة 5587 من 27345

د. يحيى عبد الله*

مقدمة:

أبدأ بحمد الله الذي له الخلق والأمر، له الحكم وإليه مآل الخلق أجمعين، والمرشد لعباده بقوله: (وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون) ، لأنّ الخلق يقتضي عبودية الناس لربِّ العالمين.

والذي أقسم في كتابه بأن مقتضى الإيمان المعتبر عنده أن يكون صاحبه مُذعنًا بحاكميته المُطلقة، وأن يذعن طوعًا لأمره الشرعي بانشراح الصدر والثقة بأن ذلك قمين بإنالته لخير الدارين لكونه يعلم ويوقن بصفة العلم المحيط والعدل المطلق والغنى المطلق، (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم) ، (ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض) .

لأن سننه علمتنا المسؤولية لكسبنا والقدرة عليه والإرادة التي نستطيع التوجه بها نحو الممكن وتركه (لا يكلف الله نفسًا إلاّ ما آتاها سيجعل الله بعد عسرٍ يسرًا) ، (فكلًا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبًا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) .

الذي يجازي المسيء بما قدّمت يداه إن لم يعفُ عنه وكان ممن يقع عليهم عفوه وغفرانه (وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على لله) ، ويضاعف لمن عمل الصالحات (والذين اهتدوا زادهم هدىً) ، (ومن عمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا) .

والصلاة والسلام على نبي الرحمة الذي أرشد من استعد أن يذعن لله في بعض الأمر بقوله: (إنّ هذا الدين لن ينصره إلاّ من حاطه من جميع جوانبه) [المنهج الحركي للسيرة النبوية، منير محمد الغضبان: 1/ 143] ، والذي أسلم في جميع حياته لله رب العالمين.

لأنّه متبع لمن اهتدى من قبله، الذين وصفهم الله بأنهم يوفون بعهد الله (وإبراهيم الذي وفّى) ، (إذ قال له ربّه أسلم قال أسلمت لرب العالمين) ، (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) .

هنا يقف المرء متأملًا، ويظهر له سر نعت الأنبياء بأنّهم أسلموا، مع علمنا بأن رتبة النبوة أعلى من رتب من أسلم من أتباعهم، ودلالات اللغة تأبى مِن وصف المرء بصفاتِ مَن هو أدنى منه في مقام المدح، هنا نعلم بأن الرُّسل قد انقادوا لله عزّ وجلّ في المنشط والمكره فوصفهم بأنّهم أسلموا لله في قوله: (إنّا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربّانيون والأحبار بما استُحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشوني ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) .

اقرأ الآية بتمامها، مراعيًا سياقها، متأملًا في أنّ الحكم بمقتضى ما أنزل الله وصفٌ لازمٌ لمن أسلم وجهه لله.

وقف عند النهي بقوله: (فلا تخشوا الناس واخشوني.. ) .

هنا يزول عنك الإشكال الذي يجده بعض الناس فيما ختمت به الآية وهو قوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) .

ويتضح لك النعت للنبيين بأنهّم أسلموا لله أمرهم حتّى في مقام الخوف الذي يعتري الإنسان بمقتضى بشريّته.

وعلى آله وصحابته الذين لم يبدّلوا ولم يغيّروا، بل تحمّلوا الأمانة ورعوها حقّ رعايتها، فعبّر عنهم الصدّيق في أول وهلة من استلام الأمانة من الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:"لأُقاتلنّ ولو وحدي".

اللهم لك أسلمنا وبك آمنّا وعليك توكّلنا فاجعلنا لديك من المقرّبين، ثمّ أمّا بعد

فإنّ الحديث عن"مفهوم التطبيع وآثاره"على ما يقتضيه الظرف الذي نعيشه لعبء جلل ولكن ..

رغم الضعف وضآلة التجربة، اطمأنّ قلبي عندما علمتُ بمن يصوّب هذه الخواطر السريعة ويضعها في الجادّة؛ لأنّهم خبروا مسالك ما يدور في الساحة منذ زمن بعيد، ولأنّهم أساطين الدعوة، وربّابنة السفينة.

وسأطرح ما يفتح الله عليّ به في ثلاثة محاور، وهي مفهوم التطبيع، وآثاره، والبديل المنشود.

وأسأل الله الفتّاح العليم أن يمنّ على بالتسديد والتوفيق إنّه ولي ذلك والقادر عليه، إنّه نعم المولى ونعم النصير.

أولًا:

أكتفي في بيان مفهوم التطبيع بالدلالة اللغوية؛ لأنّها تطابقت -في نظري- مع ما هو واقع في الساحة وما يراد منّا بالتطبيع، ولذلك يظهر لي بأنّ من بادر بالتسمية بهذا الاسم لهذه العملية السياسيّة الكبرى العالمية الماكرة ضليع في مرامي اللغة، ويعرف العناوين التي تمكّنه من الضغط والإنفِلات. إنّها أعمال مؤسسات، لا مبادرات أفراد.

وهذا المسلك الذي نحوتُه مخالفٌ لمنحى من قال:"كلمة التطبيع من الكلمات المستحدثة سواء على اللغة العربية الفصحى، أو على الصراع مع اليهود في فلسطين المحتلّة" [التطبيع استراتيجية الاختراق الصهيوني، غسان حمدان، ص: 23] .

قال صاحب معجم مقاييس اللغة: الطاء والباء والعين أصل صحيح وهو مُثُلٌ ينتهي إليها الشيء حتّى يختم عندها. أهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت