فهرس الكتاب

الصفحة 5588 من 27345

هذه العبارة تكشف لنا حقيقة اللعبة السياسية التي نحن بصدد دراسة كلِّ أبعادها، هل يتصوّر أحد بأن هذه العملية يراد منها أن ترسو نحو شاطئ قوله تعالى (وأنّ إلى ربّك المنتهى) ؟!

هذا هو التطبيع في دلالته اللغوية الجامعة لتنتهي عكس ما يدل عليه قوله تعالى (أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون) .

إنّ صاحب المعجم بعد أن أعطانا المفهوم الكلي بدأ في ذكر بعض الجزئيّات التفصيليّة مبينًا أنها جميعًا تصبّ في خانة واحدة وأنّ الأصل هو ما مضى فقال:

ومن ذلك طبع الإنسان وسجيّته، وطبع الله على قلب الكافر،ومنه أيضًا طبْع السيف والدرهم، وتطبّع النهر إذا امتلأ، وكذلك إذا حملت الناقة حملها الوافي الكامل فهي مطبّعة قال الشاعر:

وفي اللسان: طبع الإناء والسقاء طبْعًا وطبّعه تطبيعًا فتطبّع: ملأه. وألقى الشبكة فطبعها سمكًا أي ملأها، وقربة مطبعة طعامًا: مملوءة، قال أبو ذؤيب:

ويقال: قذذت قفا الغلام: إذا ضربته بأطراف الأصابع، فإذا مكّنت اليد من القفا قلت: طبعت قفاه.

قال ابن فارس: ومما شذّ عن الأصل، وقد يمكن أن يقارب بينهما، إلاّ أن ذلك على استكراه، قولهم: للدنس طبع، والمطبع الذي نجِّس. والقياس واحد، لأنه قد تكامل وختم . [معجم مقاييس اللغة، مادة ط ب ع] .

وبعد هذه الجولة اللغوية نستخلص منها الآتي مما هو مراد منّا من التطبيع:

1-التطبيع عبارة عن الوصول بالمنطقة والأمة إلى ما هو مراد منّا من قبل اليهود والأمريكان، وأنت تعلم مسلسل النهايات"نهاية التاريخ"،"نهاية الأيدلوجيات"،"نهاية الدول والحدود"،"نهاية الوطنية"التي تصب في جانب أحاديّة الطرح . [العولمة رؤية نقدية، د. بركات محمد مراد، ص: 115] .

2-أن يجعل ما يراد منا طبعًا فينا وسجيّة بحيث يزول مفهوم الولاء والبراء القائم على أساس الدين، ويكون هذا الوضع ملازمًا لنا كملازمة الطبع للدرهم.

3-أن لا يقبل منّا أنصاف الحلول؛ لأن التطبيع هو الامتلاء بما يوضع فيه كامتلاء القربة.

4-الإشعار بأنّ هذا حملنا ويجب أن نقوم به كما تحمل الناقة حملها، وهنا يظهر الضغط على السلطة الفلسطينية بأنها لم تقم بواجبها نحو كبح جماح الإرهابيين حتى يتطبعوا.

وقد عبّر عن هذا"شاؤول منشا"في إذاعة بي بي سي بقوله:

"أنا أستغرب رفض العرب لقتل الفلسطينيين الإرهابيين مع أنه مثل ما حدث للإرهابيين في مصر وسوريا وتونس وتركيا ويجري الآن في الجزائر"، هكذا عبّر عن الاستراتيجية التطبيعية.

5-عدم الاكتفاء بضرب القفا من غير تمكن بل لا بد من شدّ الوطأة علينا حتى نتطبع كما يقال: طبعت قفاه. وهذا ما يجري الآن في فلسطين، ولكن إرادة المؤمن تأبى ذلك فتفجّر الفتاة نفسها إرضاءً لله وإرغامًا للشيطان.

6-تطبيع المسلمين، بمعنى سلخهم عن هويتهم وتنجيسهم لأنّ النجاسة المعنوية أشدُّ من الحسّية، لذلك قال الله: (إنّما المشركون نَجَس) ، وقال عزّ وجلَّ للرسول صلى الله عليه وسلم ويشمل الخطاب المؤمنين: (وثيابك فطهّر) ، بالمعنى الشامل لكلمة الثياب، التي تدلّ على الثوب وعلى القلب في الاستعمال العربي كما قال عنترة:

ونكتفي حول مفهوم التطبيع بهذه الدلالات الكامنة في الكلمة.

ثانيًا: آثار التطبيع

إنّ أي عمل يقوم به الإنسان بإرادته له آثاره الإيجابية والسلبية، ويندر أن يتمحّض أي عملية لأحد الأمرين كما قال علماء المقاصد: إنّ الآخرة هي التي تتضمّن النعيم المحضٌ والعذابٌ المحض. وأمّا الدنيا فأعمالها متضمنة للنفع والضر، والشرع يوجهنا بأنّ نفعل ما غلب عليه النفع وإن كان في طريقه ضرر، ونجتنب ما غلب عليه الضرر وإن كان فيه بعض المصالح كما قال تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) ، وقال: (إن تكونوا تألمون فإنّهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون) .

الجوانب الإيجابية للتطبيع:

1-وقف الدمار الشامل لفلسطين مؤقّتًا، وحقن إراقة بعض الدّماء.

2-إخراج حكّام المنطقة من الحرج العظيم الذي يواجهونه مع شعوبهم على صمتهم المريب الذي لم يسبق له مثيل حسب علمي.

المضار من التطبيع:

1-لابد من النظر في قضيّة التسليح المستمر لليهود وحظره على الآخرين.

2-ينتج من التطبيع اتّفاقيّات أمنية وتبادل المجرمين ومحاكمتهم مما يجعل دول المنطقة وأنظمتها شرطيًّا يقوم بكبح مَنْ سموْهم بالإرهابيين من أبناء المسلمين.

3-الذي ينطبق عليه اسم الإرهابي قد حددته أمريكا بوضوح بقول رئيسها:"من لم يتضامن معهم فهو إرهابي، وهم لا يريدون أقوالًا، بل يريدون أفعالًا"، وكلّهم يكررون أنّ الرئيس الفلسطيني يعلم ما يجب عليه من المهام.

4-القدس عاصمة مَن تكون؟ ولا كلام حول أنّ هذه الأرض إسلاميّة ونحو ذلك، فهذا مسلّم به على أنّ ذلك حقّ لليهود؛ لأنه لا يمكن قيام دولة تطبّع غيرها بما تريد ولا أرضَ لها، هذا غير وارد في مفهوم السياسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت