معالم عَقَدِيّة في الأذكار النبويّة د. محمد عمر دولة*
مقدمة:
الحمد لله الذي يُجيب دعوةَ الداعي إذا دعاه، والصّلاة والسلام على أقرب العباد إلى الله، وأعلمهم بحقوقه وتقواه، وأحرصهم على محبّته ورضاه. اللهم صلِّ وسلِّمْ على أشرفِ خلقِ اللهِ وصفوتِهِ ومُجْتَباه، وعلى آله وصحبِهِ ومَنْ نَهَجَ نَهْجَهُ واتبع هُداه.
وبعد، فإنّ الحال التي تمرّ على المسلمين اليومَ لم يمرَّ عليهم حالٌ مثلُها من قبلُ؛ ذلك أنهم كانوا فيما مضى إذا جفَّ عندهم الضرعُ والزرع؛ رفعوا أكفَّهم إلى السماء يستسقون؛ فينهالُ عليهم الماء! وكانوا إذا نزلتْ بهم الكروبُ، وحلّت بساحتهم الخطوبُ؛ لهجوا إلى ربّهم بالدعاء، وهُرِعُوا إلى القنوت خاشعين، وأنابوا إلى ربّهم متضرِّعين؛ فينفِّس اللهُ كربَهم، ويُيسِّر أمرَهم، ويجعل لهم من كلّ همٍّ فرجًا، ومن كلّ ضيقٍ مخرجًا! وأمّا في هذا الزمان، فقد هُجِر القنوت في النوازل إلا من رحم الله، وكثرت الشكوى إلى من لا يضرُّ ولا ينفع! وقلَّ في المسلمين مَنْ يقول: (إنما أشكو بثّي وحزني إلى الله) ! [1]
وقد قرَّر أهلُ العلم أنَّ عنوان سعادةِ العبدِ أنّه"إذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتُلِيَ صبر، وإذا أذنب استغفر!" [2] وجماع هذه الأمور كلها في دعاء الله تعالى.
المبحث الأول: فقه الأذكار النبويّة:
[1] عظمة الأذكار النبويّة:
وقد حثّ الله عزّ وجلّ عبادَه على كثرة دعائه والتضرُّع إليه، فقال جلّ جلاله: (ادْعُوني أستجبْ لكم إنّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنّم داخرين) . وقال تبارك وتعالى: (قلْ ما يعبأ بكم ربّي لولا دعاؤكم) . [3]
وحفلت السُّنّة النّبويّة بذكر فضائل الدعاء والذِّكر، كما روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عزّ وجلّ: (أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني؛ إن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ هم خيرٌ منهم، وإن تقرّب منّي شبرًا تقرّبتُ منهم ذراعًا، وإن تقرّب إليَّ ذراعًا تقرّبتُ منه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيتُه هرولةً) . [4] وروى أبو هريرة كذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبق المفرّدون. قال: وما المفرّدون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون اللهَ كثيرًا والذاكرات) . [5]
[2] أهمية الاقتداء بالسنة في الأذكار:
وقد ابتُلي بعضُ الناس بالولوع بتعظيم بعض الأدعية غير المأثورة وابتداع كثيرٍ من الأذكار؛ فكان ذلك سببًا في حرمانهم من الشعور بنور الأذكار النبويّة؛ فأهملوا المأثور؛ فحُرموا من البرَكة والخير ما لا يعلمه إلا الله! ذلك أنّ الجهلَ بالآثار يُبعِد أهله عمّا في الأذكار المأثورة من الأنوار!
وما أحسنّ ما قاله القاضي عياض في هذا الشأن:"أذِنَ الله في دعائه، وعلَّم الدعاءَ في كتابِهِ لخليقتِهِ، وعلَّم النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء لأمته. واجتمعت فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة والنصيحة للأمة؛ فلا ينبغي لأحدٍ أن يعدلَ عن دعائه صلى الله عليه وسلم؛ وقد احتال الشيطانُ للناسِ من هذا المقام؛ فقيَّضَ لهم قومَ سوءٍ يخترعون لهم أدعيةً يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، واشد ما في الإحالة أنهم ينسبونها إلى الأنبياء والصالحين فيقولون: دُعاء نوحٍ، دُعاء يونس، دُعاء أبي بكر؛ فاتقوا اللهَ في أنفسِكم لا تشتغلوا من الحديث إلا بالصحيح". [6]
ولله درُّ ابن القيِّم حيث قال:"سبحان الله! ما حُرِمَ المُعرِضون عن نصوصِ الوحي، واقتباس العلم من مشكاتِه من كنوزِ الذخائر؟! وماذا فاتهم من حياةِ القلوب واستنارةِ البصائر؟ قنعوا بأقوالٍ استنبطتْها معاولُ الآراء فِكَرًا، وتقطعوا أمرَهم بينَهم لأجلِها زُبُرًا، وأوحى بعضُهم إلى بعضٍ زخرفَ القولِ غرورًا؛ فاتخذوا لأجلِ ذلك القرآنَ مهجورًا! درستْ معالمُ القرآنِ في قلوبِهم فليسوا يعرفونها، ودثرَتْ معاهدُهُ عندهم فليسوا يعمرونها، ووقعتْ ألويتُهُ وأعلامُهُ من أيديهم فليسوا يرفعونها، وأفَلَتْ كواكبُهُ النيِّرة من آفاقِ أنفسِهم؛ فلذلك لا يحبُّونها، وكُسِفَتْ شمسُهُ عند اجتماعِ ظُلَمِ آرائهم وعُقَدِها فليسوا يُبصِرونها!" [7]
[3] فضل الدُّعاء بأسماء الله الحسنى: