فالدعاء يشتمل على تعظيم الله عز وجل والثناء عليه بما هو أهله والشهادة له بالأسماء الحسنى والصفات العُلى: كما روى البخاري في الدعوات (باب الدعاء إذا انتبه من الليل) عن أبي عباس قال: بت عند ميمونة فقام النبي صلى الله عليه وسلم فأتى حاجته, فغسل وجهه ويديه ثم نام, ثم قام فأتى القربة فأطلق شناقها؛ ثم توضأ وضوءًا بين وضوء لم يكثر وقد أبلغ ... وكان يقول في دعائه: (اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن, ولك الحمد أنت قيّوم السموات والأرض ومن فيهن, ولك الحمد أنت الحق ووعدك حق وقولك حق ولقاؤك حق, والجنة حق والنار حق والساعة حق والنبيون حق ومحمد حق. اللهم لك أسلمتُ وعليك توكلتُ وبك آمنت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت؛ فاغفر لي ما قدمت وما أخرت, وما أسررتُ وما أعلنت, أنت المقدم والمؤخر لا إله ألا أنت أو لا إله غيرك) وفي رواية أخرى لابن عباس في الباب نفسه إنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: (اللهم اجعل في قلبي نورا, وفي بصري نورا, وفي سمعي نورا, وعن يميني نورا, وعن يساري نورا, وفوقي نورا, وتحتي نورا, وأمامي نورا, وخلفي نورا, واجعل لي نورا) . [8]
ولو تأملنا في الحديث الذي علَّم فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم التكبير والتسبيح والتحميد لفاطمة وعليٍّ رضي الله عنهما؛ لأدركنا عظمة التكبير والتسبيح والتحميد عند النوم؛ فإنّ فيه ذكرًا لله الخالق الكبير المتعال, وإنّ فيه تعظيمًا لربِّ السموات والأرض وما فيهنّ, وإنّ فيه حمدًا وشكرًا لله عز وجل على نعمه الكثيرة ورحمته الغزيرة التي وسعت كل شيء. فقد روى البخاري في (باب التكبير والتسبيح عند المنام) عن عليٍّ (أنّ فاطمة عليها السلام شكت ما تلقى في يدها من الرَّحى؛ فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادمًا, فلم تجده, فذكرت ذلك لعائشة, فلما جاء أخبرته, قال: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا, فذهبتُ أقوم, فقال: مكانكِ, فجلس بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري, فقال: ألا أدلّكما على ما هو خيرٌ لكما من خادمٍ؟ إذا أويتما إلى فراشِكما أو أخذْتُما مضجعَكما فكبِّرا أربعًا وثلاثين, وسبِّحا ثلاثًا وثلاثين, واحمدا ثلاثًا وثلاثين؛ فهذا خيرٌ لكما من خادم) . [9]
فتأمَّلْ ـ يا رعاك الله ـ قولَ النبي صلى الله عليه وسلم (ألا أدلّكما على ما هو خيرٌ لكما من خادم؟) قال القرطبي:"إنما أحالهما على الذِّكْرِ؛ ليكون عِوَضًا عن الدُّعاءِ عند الحاجة, أو لكونِهِ أحبَّ لابنتِهِ ما أحبّ لنفسه من إيثار الفقر وتحمّل شدّته على الصبر عليه تعظيمًا لأجرها". [10] وقال ابن حجر:"فيه ما كان عليه السلفُ الصالحُ من شظفِ العيشِ وقلةِ الشيء وشدّة الحال, وأنّ الله حماهم من الدنيا مع إمكان ذلك؛ صِيانةً لهم من تبعاتِها، وتلك سُنةُ أكثرِ الأنبياء والأولياء". [11]
المبحث الثاني: المعالم العقدية في الأذكار النبوية:
ولو تدبّرنا القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ لألفينا طائفةً من المعالم العقديّة وجملةً من الأسس التربويّة تتضمّنها الأذكار النبويّة. منها:
أ ولا: توحيد الله تعالى:
فقد"اتفقت الفطر السليمة والعقول القويمة والشرائع المنزلة على وحدة صرف جميع أنواع العبادة لله تعالى، ومنها: التوجه إلى الله تعالى بالقلب واللسان واللجوء إليه، والعبد في حالٍ بين الخوف والرجاء، في حال الشدة والرخاء، والرغب والرهب، والخوف والطمع: بالدعاء والمسألة والطلب والاستغاثة والاستعانة والاستعاذة والاستجارة والاستسقاء والاستنجاد والاستغفار وطلب النصرة، وتحقيق المرغوب ودفع المرهوب، وغفران الذنوب وهداية القلوب، وسدِّ الفاقات وسؤال قضاء الحاجات، ونيل المسرّات وتفريج الكربات وكشف الملمّات وإغاثة اللهفات، وإزالة الغُمة وشفاء المريض، وأمن الطريق، والتثبيت عند سؤال مُِنكرٍ ونكير، والأمن يوم الوعيد والنجاة من العذاب الشديد... إلى غير ذلك من أنواع الدعاء والمسألة؛ مما لا يقدر على إجابتِهِ إلا الله تعالى؛ جلبًا لنفعٍ أو دفعًا لضرٍّ، وأن هذا من خالصِ حقِّ الله سبحانه وتعالى على العبد، وتوحيد من العبد لربِّهِ في الدعاء كسائر أنواع العبادة". [12]