فالدعاءُ يشتمل على توحيدِ الله عزّ وجلّ وتعظيمه والثناء عليه بما هو أهله، والإيمان بأسمائه الحسنى والشهادة له بالصفات العُلى، كما روى البخاري في (الدعوات) (باب الدعاء إذا انتبه من الليل) عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: (بتُّ عند ميمونة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ...وكان يقول في دعائه:(اللهمّ لك الحمدُ أنتَ نورُ السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمدُ أنت قيّومُ السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت الحقُّ ووعدُك حقٌّ، وقولُك حقٌّ ولقاؤك حقٌّ، والجنّة حقٌّ والنارُ حقٌّ، والنبيّون حقٌّ ومحمّد حقٌّ. اللهمّ لك أسلمتُ، وعليك توكّلتُ، وبك آمنتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، ولك حاكمتُ؛ فاغفرْ لي ما قدّمتُ وما أخّرتُ وما أسررتُ وما أعلنتُ، أنت المقدِّمُ وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت أو لا إله غيرك) . [13]
ثانيًا: عبادة الله عزَّ وجلَّ على عِلْمٍ:
إذ إنّ الدعاء من أعظم العبادات، وأجلّ القربات، كما روى أبو داود والترمذي وابن ماجه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (وقال ربُّكم ادْعُوني أستجبْ لكم) [14] قال: (الدُّعاء هو العبادة) ، وقرأ: (وقال ربُّكم ادعوني أستجبْ لكم) إلى قوله (داخرين) . [15]
وإنما كان الإقبالُ على العبادة من ثمراتِ الذِّكرِ الذي يتقرَّبُ به العبدُ؛ لأنَّ"مشاهدةَ المنّة توجب له المحبة والحمد والشكر لوليِّ النعم والإحسان، ومطالعة عيبِ النفسِ والعمل توجِب له الذلَّ والانكسارَ والافتقارَ والتوبةَ في كل وقتٍ؛ وأن لا يرى نفسَه إلا مُفلِسًا، وأقربُ بابٍ دخلَ منه العبدُ على الله تعالى هو الإفلاس؛ فلا يرى لنفسِهِ حالًا ولا مقامًا ولا سببًا يتعلّق به ولا وسيلةً منه يمنّ بها! بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصِّرف والإفلاس المحض دخولَ من قد كَسَر الفقرُ والمسكنةُ قلبَه؛ حتى وصلتْ تلك الكسرةُ إلى سُوَيْدائه؛ فانصدعَ وشَمَلَتْهُ الكسرةُ من كلِّ كلِّ جهاتِهِ، وشهد ضرورتَه إلى ربِّهِ عز وجل، وكمالَ فاقتِهِ وفقرِهِ إليه، وأنَّ في كلِّ ذَرَّةٍ من ذرّاتِهِ الظاهرة والباطنة فاقةً تامّةً، وضرورةً كاملةً إلى ربِّهِ تبارك وتعالى، وأنه إن تخلَّى عنه طرفةَ عينٍ هلك وخسر خسارةً لا تُجبَرُ؛ إلا أن يعود الله تعالى عليه ويتداركه برحمتِهِ؛ ولا طريقَ إلى الله تعالى أقربَ من العبوديّة، ولا حجابَ أغلظَ من الدعوى!". [16]
ولله ما أحسنَ ما استنبطَهُ العلماءُ من أفضليّة الصلاة على سائرِ العبادات؛ لما تتضمّنه من تربية رُوح العبوديّة في النفس ما لا يوجّد في غيرها، كما قال ابنُ القيم:"لما كانت الصلاةُ مشتملةً على القراءةِ والذِّكر والدعاء، وهي جامعةٌ لأجزاء العبوديّة على أتم الوجوه؛ كانت أفضلَ من القراءةِ والذِّكر والدعاءِ بمفردِهِ؛ لجمعِها ذلك كلَّه مع عبوديّة سائر الأعضاء؛ فهذا أصلٌ نافعٌ جدًّا يفتح للعبد بابَ معرفةِ مراتبِ الأعمال وتنزيلِها منازلَها". [17]
ثالثًا: الشهادة لله تعالى بالرُّبُوبِيّة:
[1] ذلك أنّ دعاء العباد ربَّهم تبارك وتعالى، وتوجُّهَهم إليه خاشعين خاضعين متضرِّعين؛ شهادةٌ له جلّ جلالُه بأنه أحدٌ فردٌ صمدٌ ؛ وأنّه عزّ وجلّ هو الخالق الباريء المصوّر، الذي بيده الخير، وإليه يُرَدُّ الأمر، وعنده النفع والضرّ ، وهو على كل شيء قدير. ورحم الله العلامة ابنَ القيّم، حيث قرّر هذا المعنى واستنبطه في تفسير (اهدنا الصراط المستقيم) حيث قال:"لما كان سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم أجلّ المطالب, ونيلُه أشرف المواهب؛ علّم الله عبادَه كيفيةَ سؤالِه, وأمرهم أن يقدّموا بين يديه حمدَه والثناء عليه وتمجيدَه, ثم ذكر عُبُودِيَّهم وتوحيدَهم؛ فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم: توسُّلٌ إليه بأسمائه وصفاته, وتوسُّلٌ إليه بعبوديته. وهاتان الوسيلتان لا يكاد يُردُّ معهما دعاء, ويؤيِّدهما الوسيلتان المذكورتان في الاسم الأعظم ... وهذه ترجمةُ عقيدةِ أهل السنة، والتوسل بالإيمان بذلك والشهادة: هو الاسم الأعظم"! [18]
[2] وقد بيّن القرآنُ الكريم الأسسَ العقديّة التي ينبغي للمسلم أن يستحضرها في دعائه؛ مقرِّرًا أنَّ اللهَ عز وجل هو الذي يُقصَد في الحوائج دون سواه. فأيدي العباد لا تُرفَع إلا إليه، ودموعهم لا تجري إلا بين يديه، وحاجاتُهم لا تُطلَب إلا منه، وهمومُهم لا تُشْكَى إلا إليه (إنما أشكو بثّي وحزني إلى الله) . [19]
وهذا المعنى ظاهرٌ في قولِ الله تعالى: (قُلِ اللّهمَّ مالكَ الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممّن تشاء وتُعزّ من تشاء وتُذلّ من تشاء بيدك الخيرُ إنّك على كلّ شيءٍ قدير) . [20]