فهرس الكتاب

الصفحة 23625 من 27345

[3] ومن أجل ذلك يجيء ذمُّ الذين يقصدون المخلوقين ولا يستعينون بربّ العالمين، كما قال الله عزّ وجل: (يدعو من دون الله ما لا يضرّه وما لا ينفعه ذلك هو الضلالُ البعيد يدعو لمن ضرُّه أقربُ من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير) ، [21] ذلك أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى هو الذي يُجِيبُ العبادَ ويُعْطِيهم مِن خزائنه الواسعة كما قال جلّ جلاله: (وإذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريبٌ أُجِيبُ دعوةَ الداعِ إذا دعان فلْيسْتجِيبُوا لي ولْيؤمِنُوا بي لعلّهم يرشدون) . [22]

[4] فالله تبارك وتعالى هو القويُّ والبشر ضعفاء، وهو الكريمُ والخَلْقُ بُخَلاءُ، وهو الحيُّ القادرُ والناسُ أهلُ عجزٍ وفناء، كما قال سبحانه: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنيُّ الحميد) ، [23] وقال عزّ وجلّ: (ومَن أضلّ ممّن يدعو مِن دون الله مَن لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حُشر الناسُ كانوا لهم أعداءً وكانوا بعبادتهم كافرين) . [24] وقال تبارك وتعالى: (له دعوةُ الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيءٍ إلا كباسط كفَّيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) . [25] وقال سبحانه: (قل ادعوا الذين زعمتم مِن دون الله لا يملكون مثقالَ ذرّةٍ في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما مِن شرك وما له منهم مِن ظهير) . [26] وقال جلّ جلاله: (يا أيها الناس ضُرِب مثلٌ فاستمِعوا له إنّ الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذبابُ شيئًا لا يستنقذوه منه ضَعُفَ الطالبُ والمطلوبُ ما قدروا اللهَ حقَّ قدرِه إنّ الله لقويٌّ عزيز) . [27]

رابعًا: العبوديّة لله عزّ وجلّ:

فالأذكار بريدُ الأبرارِ، وصلةُ المذنبين بربّهم الغفار: الذي خلقهم ورزقهم وهداهم واجتباهم للإيمان، وغفرَ لهم الزلات، وأقال لهم العثرات؛ فالعبدُ الصالحُ يتضرّع إلى ربِّه:

أنتَ الذي صوّرتَني وخلقتَني وهديتَني لشرائع الإيمانِ!

أنتَ الذي علّمتَني ورحمتَني وجعلتَ صدري واعيَ القرآنِ!

أنتَ الذي أطعمتني وسقيتني من غير كسب يدٍ ولا دكّانِ!

فلك المحامدُ والمدائحُ كلُّها بخواطري وجوارحي ولساني!

وقد عبّر الطيّبي عن هذا المعنى أحسنَ تعبيرٍ، فقال رحمه اللهُ في قول الله تعالى: (ادْعوني استجب لكم) :"الدعاءُ هو إظهارُ غايةِ التذلُّلِ والافتقارِ إلى الله والاستكانةِ إليه؛ وما شُرِعتْ العباداتُ إلا للخضوعِ للباري وإظهارِ الافتقارِ إليه؛ ولهذا خَتَمَ الآيةَ بقوله تعالى: (إنّ الذين يستكبرون عن عبادتي) حيث عبّر عن عدمَِ الخضوعِ والتذلُّلِ بالاستكبارِ, ووَضَعَ (عِبادتي) موضع (دُعائي) , وجعل جزاءَ ذلك الاستكبارَ والصَّغارَ والهَوان". [28]

خامسًا: التوبة والإنابة إلى الله تعالى:

[1] ولو تدبّرْنا الأذكارَ الصحيحةَ الواردة في الاستغفار؛ لوجدناها طافحةً بمعاني التوبة إلى الله تعالى، وإظهار الافتقار إليه، وتلك ـ لعمري ـ صفةُ المتقين أنهم (يذكُرُون الله) ؛ فيكون ذِكْرُهم داعِيًا إلى التوبةِ وباعِثًا على الاستغفارِ، كما قال الله عزّ وجلّ: (الذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللهَ فاستغفروا لذنوبهم ومَنْ يغفر الذنوبَ إلا الله ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون) . [29]

[2] وللاستغفار معانٍ عقديّةٌ جليلةٌ: مثل إنابة العبدِ إلى ربِّهِ، واعترافه بذنبه وإقراره بـ (أن له ربًّا يغفر الذنوب) ، وتربية الخشوع والخضوع في نفس المسلم، وتلذُّذِه بالتذلُّل بين يدي ربِّه كما قال نبي الله صالح عليه السلام: (فاستغفروه ثم توبوا إليه إنّ ربّي قريبٌ مُجيب) ، [30]

وشهادته برحمةِ ربِّهِ وتوبته على عباده؛ واستحضاره قربَه وإجابتَه من دعاه،ورحمتَه ومحبّتَه عبادَه، كما قالَ نبيُّ الله شعيبٌ عليه السلام: (واستغفروا ربَّكم ثم توبوا إليه إنّ ربّي رحيمٌ ودود) . [31] "ففي القلب شَعَثٌ لا يلُمّه إلا الإقبالُ على الله، وفيه وِحشةٌ لا يزيلها إلا الأنسُ به في خلوته، وفيه حزنٌ لا يُذهبه إلا السرورُ بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلقٌ لا يسكّنه إلا الاجتماعُ عليه والفرارُ منه إليه، وفيه نيرانُ حسراتٍ لا يطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلبٌ شديدٌ لا يقف دون أن يكون هو وحدَه مطلوبَه، وفيه فاقةٌ لا يسدّها إلا محبّته والإنابة إليه ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له؛ ولو أُعطي الدنيا وما فيها لم تُسدَّ تلك الفاقةُ منه أبدا"! [32]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت