فهرس الكتاب

الصفحة 23626 من 27345

[3] ولعلّ المتأمّل في حديث سيّد الاستغفار يُدرك هذه الصلة الوثيقة بين ما بين الأدعية والأذكار وبين الأصول العقديّة والمعاني الإيمانيّة؛ وهذا سرُّ الوعد بالجنّة لكلماتٍ يقولها العبد يسيرةٍ في حروفِها ومبانيها كبيرةٍ في رُوحها ومعانيها، فقد روى البخاري في (الدعوات) باب (أفضل الاستغفار) حديث شدّاد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سيّد الاستغفار أن تقول: اللهمّ أنت ربّي لا إله إلا أنت، خلقتَني وأنا عبدُك، وأنا على عهدِك ووعدِك ما استطعتُ؛ أعوذ بك من شرّ ما صنعتُ، أبوء لك بنعمتِك عليَّ، وأبوء بذنبي؛ فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت. قال: ومن قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يُمسي؛ فهو من أهل الجنّة، ومن قالها من الليل وهو موقنٌ بها فمات قبل أن يُصبح؛ فهو من أهل الجنّة) . [33]

[4] وأما حديث أبي هريرة الذي ختم البخاريُّ به صحيحَه الجامع، وهو آخرُ حديثٍ في كتاب (التوحيد) ، فهو ناطقٌ بهذا المعنى حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان اللهِ وبحمده، سبحان الله العظيم) . وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنّ من فوائد الحديث"الحثّ على إدامة هذا الذكر، وقد تقدّم في فضل التسبيح من وجهٍ آخر عن أبي هريرة حديثٌ آخر لفظه: (من قال: سبحان الله وبحمده في يومٍ مائة مرّةٍ؛ حُطَّتْ عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) ، وإذا ثبت هذا في قول (سبحان الله وبحمده) وحدها؛ فإذا انضمّت إليها الكلمة الأخرى فالذي يظهر أنها تفيد تحصيل الثواب الجزيل المناسب لها، كما أنّ من قال الكلمة الأولى وليست له خطايا مثلًا فإنه يحصل له من الثواب ما يوازن ذلك". [34]

[5] ورحم الله الإمامَ البخاريَّ؛ فقد ترجم في (الدعوات) ترجمةً نفيسةً وافيةً بهذا الغرض: [ (باب أفضل الاستغفار، وقوله تعالى:(واستغفروا ربَّكم إنه كان غفّارا يُرسِل السماء عليكم مِدْرارًا ويُمددْكم بأموالٍ وبنينَ ويجعلْ لكم جنّاتٍ ويجعلْ لكم أنهارا) ، (والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسَهم ذكروا اللهَ فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون) ] .

قال ابن القيِّم:"إذا أراد الله بعبده خيرًا فتح له من أبوابِ التوبة والندمِ والانكسارِ والذُّلِّ والافتقار والاستعانة وبه وصدقِ اللجوء إليه، ودوامِ التضرع والدعاء والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات؛ ما تكون تلك السيئة به سبب رحمتِهِ؛ حتى يقول عدوُّ الله: ليتني تركتُهُ ولم أُوقِعْهُ! وهذا معنى قولِ بعضِ السلفِ: إنَّ العبدَ ليعمل الذنبَ يدخل به الجنّة! ويعمل الحسنة يدخل بها النار! قالوا: كيف؟ قال: يعمل الذنب؛ فلا يزال نصبَ عينيهِ خائفًا منه مُشفِقًا وَجِلًا باكيًا نادمًا مُستَحِيًا من ربِّهِ تعالى ناكسَ الرأسِ بين يديه منكسِرَ القلب له؛ فيكون ذلك الذنبُ أنفعَ له من طاعاتٍ كثيرةٍ بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادةُ العبد وفلاحُهُ؛ حتى يكون ذلك الذنبُ سببَ دخولِهِ الجنة! ويفعل الحسنةَ؛ فلا يزالُ يمُنُّ بها على ربِّهِ ويتكبَّرُ بها، ويرى نفسَهُ ويُعجَبُ بها ويستطيل بها، ويقول: فعلتُ وفعلتُ؛ فيُورِثُهُ من العُجْبِ والكِبْرِ والفخر والاستطالة؛ ما يكون سببَ هلاكِهِ؛ فإذا أراد اللهُ تعالى بهذا المسكين خيرًا ابتلاه بأمرٍ يكسرُهُ بهِ ويُذِلُّ به عُنُقَهُ ويُصغِّرُ به نفسَه عنده! وإذا أراد به غيرَ ذلك؛ خلاه وعُجبَهُ وكِبْرَهُ؛ وهذا هو الخذلانُ المُوجِبُ لهلاكِهِ!" [35]

سادسًا: إظهار الرّجاء وحسن الظنّ بالله:

[1] وهذه المعاني ظاهرةٌ في أذكار الاستغفار، كما روى الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تعالى: يا ابنَ آدم إنك ما دعوتني ورجوتني؛ غفرتُ لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابنَ آدم لو بلغتْ ذنوبُك عنانَ السماء ثم استغفرتني غفرتُ لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابنَ آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرةً) .

[2] وقد أحسن التعبير عن هذا المعنى يحيى بن معاذ حين قال:"يكاد لك رجائي مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال؛ لأنّي أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص وكيف أصفّيها وأحزرها وأنا بالآفات معروف؟! وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف". [36]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت