أ.د. جعفر شيخ إدريس*
من أعظم الوسائل التي تُستعمل لتحريف نصوص الكتاب والسنة في عصرنا أن يؤخذ نص أو عبارة من نص ثم تعطى معنى من معاني الثقافة الغربية له لوازم لا تتناسب مع بقية نصوص الكتاب والسنة، ثم إما أن يلتزم المحرِّف بهذه اللوازم فيمضي في تحريفه إلى نهايته، وإما أن ينكر بعضها فيقع في التناقض والحرج، وإما أن يلجأ إلى تحريف النصوص الأخرى كما حرَّف النص الأول.
من العبارات القرآنية التي حُرفت بهذه الطريقة عبارة {لا إكْرَاهَ فِي الدِّين} [البقرة: 256] التي صار يُستدل بها على الحرية الدينية بالمعنى الغربي لهذه العبارة. وما دامت الحرية الدينية بهذا المعنى الغربي تقتضي أن يكون من حق الإنسان أن يدخل في الدين أو يخرج منه متى شاء حكم هؤلاء بأن تكون الردة أمرًا مباحًا لا جريمة يعاقَب مرتكبها، حتى قال قائلهم في وقاحة ـ مخالفًا لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- ـ: (لا بأس على الإنسان أن يبدل دينه) .
لكن حرية الدين بالمعنى الغربي لا تقف عند حدود إباحة الردة؛ لأنك إذا أبحت للإنسان أن يخرج من الدين كله فيلزمك أن تبيح له الخروج من بعضه. وهذا هو الأمر في الغرب. فكما أن من حق الإنسان أن يخرج من اليهودية أو النصرانية أو الإسلام؛ فمن حقه أيضًا أن ينكر بعض ما في دينه ويظل رغم ذلك يهوديًا أو نصرانيًا أو مسلمًا، ولا يحق لجهة دينية أن تعترض عليه. ولا زلت أذكر مستغربًا كلمة الرجل الأمريكي الشاذ الذي انتخبته كنيسته قسيسًا كبيرًا لها معتذرًا للذين اعترضوا على ترشيحه، قال كلامًا فحواه أنهم محقون؛ لأن انتخابه مخالف لتقاليد الكنيسة، ومخالف لنصوص الكتاب المقدس، ثم قال: «لكن هذا لا يعني أنه خطأ» !
وعليه فإذا كان من حق المسلم أن يرتد عن دينه كله، فيكون من حقه أن ينكر الصلاة أو الصيام، أو يمتنع عن أداء الزكاة، أو يبيح شرب الخمر أو الزنا، أو حتى الشذوذ. وقد حدث فعلًا أن كوَّن جماعة من الشباب المنحرفين في أمريكا جمعية أسموها (جماعة الشباب الإسلاميين الشاذين) .
لكن هذا يؤدي إلى نتيجة خطيرة هي أن الإسلام لا يمكن أن يكون نظامًا أو قانونًا لدولة؛ لأنه إذا كان من حق الإنسان أن يخرج على كل أمر أو نهي ديني، فيكون من حقه أن يخرج على كل أوامر الدولة وقوانينها. لكن الناس لا بد لهم من دولة تأمر وتنهى وتعاقب؛ فإذا لم تكن دينية لزم أن تكون علمانية. يقول بعضهم: يمكن أن نُلزم الناس بهذه الأوامر باعتبارهم مواطنين لا باعتبارهم مسلمين. وأقول: إن هذا يؤكد علمانية الدولة؛ لأن العلمانية لا تمنع من أين تتبنى الدولة بعض الأوامر والنواهي ذات الأصل الديني ما دامت لا تجعل الدين أساسًا لمشروعيتها. ونحن نعلم أن في الدول العلمانية الغربية كثيرًا من أمثال هذه القوانين.
الحرية بهذا المعنى الغربي ناتجة عن اعتقاد بدأ يشيع في الغرب بعد القرن الثامن عشر فحواه أن المعتقدات الدينية لا تقوم على أساس علمي، وإنما هي مشاعر قلبية، فلا يحق لإنسان أن يجبر الآخرين على أن تكون مشاعرهم وعواطفهم كمشاعره. والدين يختلف في هذا عن العلوم التجريبية التي تستند دعاواها إلى أدلة علمية حسية أو عقلية. وكثيرًا ما يأخذون علينا ـ معاشرَ المسلمين ـ معاملتنا للدين معاملة هذه العلوم، فيقولون: إنكم تدَّعون أنكم تملكون الحقيقة. ونحن فعلًا نعتقد أن الحق معنا في مسائل الدين، وأن ديننا يقوم على حقائق تشهد لها أدلة حسية وعقلية، وأن الأمر ليس متروكًا فيه للأذواق الفردية؛ وهذا هو الذي يجعلنا نحكم على بعض الأقوال والتصرفات أنها مخالفة للدين أو مناقضة له مخرجة لصاحبها عن الملة الإسلامية.
ولأننا نعتقد اعتقادًا جازمًا بأن الحق معنا ولا سيما في أصول الدين، وأن من مصلحة الإنسان الدنيوية والأخروية أن يؤمن بهذا الحق، فنحن حريصون على نشره كما هو من غير زيادة أو نقص أو تحريف، وحريصون على حماية من يؤمن به من المؤثرات التي تضعف إيمانه أو تفتنه عنه.
وهذا هو السبب في اعتبار الردة جريمة يعاقب عليها القانون الإسلامي. إن الذي يعاقب عليه القانون ليس هو أن يغير الإنسان ما في قلبه؛ فهذا أمر لا يستطيع البشر الاطلاع عليه اطلاعًا مباشرًا، ولا يستطيع أحد أن يجبر أحدًا على اعتقاد معين حقًا كان أو باطلًا؛ ولذلك يقال للرسول -صلى الله عليه وسلم-: {إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56] .
ويقال له: {فَذَكِّرْ إنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ} . [الغاشية: 21 - 22]