المحتويات
مدخل بين يدي الرسالة
حديث حول العقوق
حين يخطيء الوالد
حديث من شيخ إلى شاب
مشكلة الشهوة
ما الأمر الذي يهمك؟
قصة مجتمعك
مدخل بين يدي الرسالة
معشر الإخوة الكرام: إن المصارحة مع أنفسنا مطلب ضروري، والتخلي عنها لايسهم إلا في دفن الحقائق، وخلق سحب وضبابية حول كثير من أخطائنا، وصنع الأسلاك الشائكة حول أرض المحاسبة، وخلق الخطوط الحمراء ستكون ضريبته استمرار الأخطاء وتضاعف التجاوزات.
إن مواجهة النفس، والتخلص من الحيل النفسية مطلب ملح هو الآخر ولن يجني غيرنا ثمرة المخادعة والتزويق.
معشر الإخوة الكرام: ثمة مشكلات في حياتنا الاجتماعية، وأخطاء، وتجاوزات: في علاقة الأب بأبنائه، والابن بوالديه، والزوج بزوجته، والزوجة بزوجها. والمدير بالموظف، ورب العمل بالعامل. وحين نكون جادين في التخلص من هذه المشكلات وتصحيح هذه الأخطاء فلا مناص من طرح هذه الموضوعات تحت ضوء الشمس فلم تعد أسراراً، بل صار يدركها حتى المغفل، ويبصرها الأعشى والأعمش.
ولاشك أن ذلك يعني أن تثار بمحضر الخصم، وبمسمع الطرف الآخر، فسوف يسمع الابن مشكلة أبيه، والزوجة مشكلة زوجها، وقد يكون هناك حساسية وحرج ولكن: لماذا تطغى هذه الحساسيات على تفكيرنا لتكون عائقاً عن أي خطوة في التصحيح والمصارحة، ولماذا نتوهم أن مشكلاتنا لايعلم عنها غيرنا؟
معشر الإخوة الكرام: إن الحقيقة مرة، والمصارحة مؤلمة. لكن ذلك أهون بحال من مرارة النتائج الفادحة لاستمراء الخطأ وإلف المخالفة.
لقد طرحنا قضية الآباء ومشكلاتهم مع أبنائهم في رسالة واضحة بعنوان (يا أبت) . وآن الأوان لطرح الحوار مع الطرف الآخر فإلى رسالة يا بني:-
يا بني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:-
فأحمد الله إليك وهو للحمد أهل، وأثني عليه ولا أحد أحب إليه الثناء منه عز وجل. ثم إني مسطر لك كلمات خطها مداد النصيحة، ومعبر لك عن كوامن في الصدر فجرها دافع المحبة. فمعذرة يا بني إن كان في الألفاظ خشونة، أو كان في التعبير قسوة لكنها قسوة المحب. والدرن يا بني قد لا يزول إلا مع بعض القسوة.
يابني: تتسابق الكلمات، وتتدافع الموضوعات حين أريد أن أسطر لك. فأشعر أن حيز هذه الرسالة قد لا يتسع لما أريد قوله. فآثرت أن أشير إلى أهمه، تنبيهاً وتلميحاً، والحر تكفيه الإشارة. وما لم أسطره لك يابني فإنما حال دونه شعوري أنه مستقر لديك ولم يعد بحاجة إلى إشارة . أو شعوري بأن غيره احتل المساحة دونه.
يابني: تحوم هذه الرسالة حول البر وحقيقته، وترحل بك إلى واقع السلف لترى نماذج من ذلك. وتعرج على شؤم العقوق ووباله، منبهة على العقوق في الفكر والمنهج وهو نوع معاصر من العقوق. ثم تدلف بك إلى وصايا حول الفتن والشهوات، والاهتمامات والدوافع. مذكرة لك. بمواعظ عاجلة. حاكية لك قصة هذا المجتمع مما لم تره بعينك ورآه والدك. ورأيت يا بني تسهيلاً عليك. أن أجعلها في فصول متتابعة: فصل عن البر. وفصل عن العقوق. وفصل بعنوان حين يخطئ الوالد. وفصل بعنوان حديث من شيخ إلى شاب. وفصل بعنوان قصة مجتمعك. وفصل بعنوان مواعظ ووصايا.
فأرعني سمعك وحكم عقلك، وقبل ذلك موازين الشرع المطهر.
يا بني: ها أنت بلغت سن التكليف، فأصبحت رجلاً مسؤولاً عن أعمالك، ومحاسب مجزي عليها. يا بني: إن بلوغك يعني أنك أصبحت مخاطباً بسائر التكاليف الشرعية. فقد جاوزت مرحلة الطفولة إلى غير رجعة، ودخلت بوابة جديدة إلى الحياة. وآن لي أن أبوح لك بحديث طالما كان يعتلج في صدري، ويكنه فؤادي، كان يحبسه انتظار بلوغك ما بلغت الآن. ومع ما كان يعتلج في صدري، ويدور في خاطري فقد قلبت الطرف، وقرأت ما سطره بعض الأوائل والأواخر، من رسائل لأبنائهم، ووصايا لفلذات أكبادهم، فضمنت وصيتي بعض ما قالوه، وزينتها ببعض ما صاغوه. فهل أنت مصغ لي سمعك؟. وفاتح لي فؤادك؟ عل الله أن ينفعك ببعض ماتسمع.
يا بني: كم كان سروري وأمك حين بلغنا نبأ حملها بك، وكنا نتردد على الطبيب للفحص والمتابعة. وحين كانت تلك الساعة التي خرجت فيها إلى الدنيا. لم تكن تدري كم كان مبلغ سرورنا، وبهجتنا
لقد كانت آمالنا معقودة عليك، وكنا ننتظر تلك الساعة التي تبلغ فيها السعي، كانت أمك تردد في نفسها، وتناجيك وأنت صغير رضيع تؤمل الآمال العريضة، وتتمنى الأمنيات الغالية أن تبلغ ما تبلغ.
وكان والدك لا يقل عنها حالاً، إلا أن خواطره كانت حبيسة الفؤاد، تعتلج في صورة أمنيات.
يا بني: طالما سمعت أن الله قرن حق الوالدين بحقه [وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً] . إن هذا وحده يا بني كاف في تعظيم حق الوالدين وعلو شأنهما. كاف دون سرد الأمثلة والنماذج والشواهد.
يابني: لم يأمر الله بالذل إلا للوالدين والمؤمنين [واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا] .