الجمعة 2 جمادى الآخر 1397 / 20 أيار 1977
العلامة محمود مشّوح
(أبو طريف)
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:
فقد يكون من غير الحكمة أن أواصل الحديث في المنحى الذي كنا نتحدث فيه من قبل ، كأن لم يحدث شيء ، فالواقع أن وقوفي على المنبر بعد الكلام الذي قلته في الجمعة الماضية قد يكون مدعاة للاستغراب لدى البعض ، والحق أنه بالنسبة إلي على الأقل قد حدث شيء كبير وخطير ، لقد قدمت في نهاية الخطبة الماضية اعتذارًا رجوت أن يكون مفهومًا ، وحين تحدث معي طوائف من الشباب ، وأقول طوائف ، وكثير من الناس ممن لم يكونوا حاضري الخطبة ، كنت أقول وما زلت مصرًا على هذا القول إن القرار الذي اتخذته في هذا الموضوع قرار يتسم بالعقلانية الكاملة ، وكنت أسوق ـ وأنا أتحدث في الجمعة الماضية ـ مثلًا منتزعًا من التاريخ لنماذج من الناس توجد هنا وهناك ، وفي هذا الزمان أو ذاك ، علتها أو علة زمانها أنها غير قابلة للفهم ، لأن خطوط تفكيرها تنحو نحوًا قد لا يطيقه كثير من الناس .
قدمت بين يدي هذا مثلًا شيخ المعرة رحمه الله تعالى حينما رأى ما عليه الناس وحينما صدمته بواكير حياته بما لم يكن يتوقعه ، فقرر أن يدير ظهره للناس وحاول أن ينسحب من الحياة إلا أن الناس لم يتركوه لقراره هذا ، فلم ينسحب من الحياة لأن الحياة أقبلت تزدحم على باب دهليزه ، لأنه كان يعبّر عن الحياة في صميمها وفي أبعادها الصحيحة ، وفي غاياتها التي يتوجب على الإنسان أن يضعها دائمًا نصب عينيه من الصراحة والصدق والأمانة مع النفس ومع الناس ، وعجيب فعلًا أن يكون هذا المثل غير مفهوم ، ما المشكلة هنا ؟ المشكلة في جوهرها أن الموقف بالنسبة إلي كان مبنيًا على الحساب ولا شيء وراء ذلك بإطلاق .
فجأة وتحت ظروف المرض وطوارئ العلل أدرت وجهي إلى الخلق ، فوجدتني في طريق اخترته بمحض إرادتي ، واخترته نزولًا على ضرورات ، تتصل بهذه الأمة في حاضرها وفي مستقبلها على السواء ، إن الجو الإسلامي على صعيد الفكر وعلى صعيد العمل جميعًا يعيش ارتباكات خطيرة وتضطرب في أحشائه اتجاهات متباينة ، كلٌ يظن أنه الحق الذي ليس وراءه إلا الباطل ، وهذه مصيبة كبيرة ، ونظرت وأنا أفكر طيلة السنوات الماضية أتلمس العلل وأحاول أن أقف على حقيقة الداء ، وهذه أيضًا مصيبة ولكن مصيبتي أنا بالذات لأني لا أملك ولا أستطيع أن أزيّف الأمور إلى نفسي ولا إلى الناس . فتبيّن لي بعد التفكير الطويل والبحث المستفيض والدرس العميق أن العلة في كل هذا الارتباك والاضطراب تنحسر في عدم الفهم الصحيح لمراحل العمل الإسلامي على النحو الذي خطّه ربنا جل وعلا في الكتاب والكريم ونفّذه الرسول صلى الله عليه وسلم كما نُقل إلينا في سيرته الطاهرة . وأن عصرنا الحاضر عصر يشكو من عيب أساسي وهو عيب ملازم في التاريخ البشري في كل فترات النهوض لدى جميع الشعوب ، وهو أن الشعب المتيقّظ على ذاتيته حديثًا لا يمكن أن يعود إلى أصالته وأن يتعرّف على حقيقته بين عشية وضحاها ، فلا بد من المعاناة ولا بد للخضوع للكوارث ولا بد من الاستفادة من الدروس التي تمر بها الأمم السابقة ..
فحين فتحنا أعيننا في مطالع هذا القرن وقبله بقليل على نُذر الهجمة الاستعمارية الصليبية الصهيونية الإلحادية كنا أشبه ما نكون بالغريق يتمسك بأي شيء خضوعًا لنازع الحفاظ على الذات ، وقد وقع في وهم معظم قادة الفكر وقادة الحياة الاجتماعية والسياسية في عالمنا الإسلامي المهدد بخطر الفناء أنه إذا كانت هناك علة قادت الأمة إلى الضعف والتدهور والانحلال فهي هذا الدين ، وساعد على تجسيم هذه الفكرة في أذهان قادة الرأي وقادة الحياة العملية أن أمم الغرب التي قادت التحرك الاستعماري نحو بلادنا خرجت إلى عصر النهضة وعصر الصناعة وعصر التقدم على الصعيد المادي من خلال صراع طويل مع الكنسية بسلطانها وهيمنتها على النفوس وقهرها واستبدادها .. فكان يسيرًا جدًا بالنسبة إلى قادة الرأي والسياسة عندنا أن يسقطوا هذه المشابهة أيضًا على الإسلام ، وظنوا أن أمم الغرب وصلت إلى مراحل التقدم والعمران من باب رفض الدين والتمرد على أحكامه بل الوقوف منه موقف العداء فكذلك يجب أن يكون عندنا ، فليكن الإسلام هو الهدف ، ومن المحزن حقًا أن هذا التصور الذي يشبه أن يكون انطباعًا طبيعيًا وغير مستغرب في حياة الشعوب ترافق مع عامل مشدد وهو أن الاستعمار قاد في ركابه التبشير فكانت جحافل القسس والرهبان ومدارس الهدم والتخريب تحل من ديار الإسلام حيثما حلّ الاستعمار .. فحصل بلبلة ، بل حصل انصهار ، ولعل الإخوة لو حاولوا التعرّف عليه بالرجوع إلى ما كان يصدر من كتابات ومؤلفات في مطالع هذا القرن .. حصل عندنا نوع من الهجمة الشرسة على الإسلام قابلها ردّ فعل نحاول أن ندافع مجرد دفاع وأن نبرر مجرد تبرير هذا الإسلام .