إن الحركة الإسلامية المعاصرة نشأت في هذا المحضن المضطرب الذي قد لا يفتقر إلى شيء كما يفتقر إلى عناصر الصحة والحقيقة وكان لا بد من مخاض ولا بد من معاناة ولا بد من آلام .. حينما نشأت الحركة الإسلامية كانت تخضع للضغوط المجتمعية محليةً وعالمية ، ولعل الذين قادوها شغلتهم هموم الحاضر الذي كانوا يعيشونها عن الالتفات إلى ما كان يجب أن يكون نقطة البداية في أي تحرك .
لا أريد أن أحاكم الاتجاهات التي نتجت في مطالع القرن وكانت حصيلتها الخلافة الإسلامية وإلغاء الكيان الإسلامي جملة وتفصيلًا وتمزيق الأمة الواحدة إلى أمم ما تزال إلى الآن تلد أجنة مشوهة وكريهة تنفصل عن جسم الأم باستمرار ، مزيدًا في النكاية في هذه الأمة ، وجريًا في الطريق المفضي إلى تدميرها ومحوها من الوجود ، لا أريد أن أتعرّض لهذا الجانب ولكن أريد أن أسلّط الضوء فقط وبصورة مبدئية وبسيطة إلى أن الواجب على العقلاء أن يلتفتوا إلى حقيقة بسيطة جدًا ، هبْ أن ابنك أصابه المرض فهل ذلك يعني أن تتركه لعوامل المرض والفناء تفتك به وتفترسه أم تفتش عن مكان العلة لكي تطبّ لها بدوائها المعقول ، إن المسلك الأول هو مسلك البله والمجانين ، ولكن مسلك العقلاء هو المسلك الثاني ، وكان لا بد أن تمر الأمة بهذا الخبل العام ، الخبل الذي حملها على أن تنفض يدها من كيانها وحقيقتها ، لا شك أن الصورة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية ، بل قل حتى الروحية التي سادت قبيل الحرب العالمية الأولى شيء يدعو إلى الأسف وإلى الحزن .. ولكنه لا يعني إلا عند العدو المجاهر بالعداوة أن نكون عونًا للأعداء على أنفسنا وأن نمزق بأيدينا جسم أمتنا ، لكن هذا هو الذي كان وهو الذي حصل .
منذ ذلك التاريخ كان على الأمة أن تعرف أن حق الأسوة وأن حق القدوة المفترضة على المسلم لكي يأخذ بها نفسه مهتديًا بنبيه صلى الله عليه وسلم يحتّم عليها أن تُعيد فحص حالتها على ضوء خطوات نبيها صلى الله عيه وسلم .. لكن هذا لم يحدث ، والذي زاد الطينة بلة وعقّد الأمور أن هذه الحالة استهلكت وقتًا طويلًا من حياة الأمة ، وقتًا سمح لكل النباتات الضارة أن تنمو على الساحة العربية وعلى الساحة الإسلامية .. اسأل نفسك أيها الأخ بصراحة وبوضوح وبأمانة وانسجام مع الإسلام: هل من المعقول أن تنشأ في الساحة العربية والإسلامية حركات وأحزاب ومذاهب واتجاهات لا همّ لها ولا وظيفة لها ولا غرض لها إلا الإيذاء للإسلام وإلا محو الإسلام ؟ أهذه ظاهرة طبيعية ؟ هل من المعقول أن تُنشد الأناشيد الحمراء في ديار المسلمين وأن يُشتم الله وأن يُهان محمد في ديار المسلمين ؟ هذا شيء غير معقول ، بل اسأل نفسك: هل من طبائع الأشياء ومن الأمور السوية في حياة الأمم أو في حياة أمة كأمتنا هي أمل الدنيا وضمانة المصير بالنسبة إلى البشرية جمعاء أن يباح الضجيج والعجيج لكل من هبّ ودبّ ولكل ما عرفت الدنيا من شرور ومفاسد وأن تُضرب الأسوار من حول الدعوة الإسلامية:
أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنسِ
ذلك أمر غير معقول ، لولا أن الأمور لا تسير على محاورها الصحيحة ، إن بلاد الإسلام كما يجب أن يعلم العدو قبل الصديق للإسلام طال الزمان أو قصر ، صعبت الطريق أو هانت ، ديار المسلمين للمسلمين ، وهذه الخلائق الشائهة لا بد أن تأتيها يوم أو أيام تجد نفسها مرغمة على أن تعاود حساباتها وعلى أن تطيع لله جل وعلا ، كارهة أو راضية ، لكن كما قلت لكم إن الزمان طال ، وإن ارتباكات الحركة الإسلامية وأشدد الحركة الإسلامية وأنا هنا مبرر وجودي هي هذه الحركة ولا شيء غيرها .
إن ارتباكات هذه الحركة تجاوزت الحدود المعقولة وإنه من الحق على كل مدرك وعلى كل عاقل أن ينفض الغبار عن التاريخ ، وأن يعيد الحسابات لهذه الأمة تحت ضوء الكتاب وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو الأمر الذي ندبت نفسي له منذ سنوات قريبة . حينما التفت إلى الخلف تحت عوامل المرض والألم أخذتني الروح ، إنني أمسك بأطراف النهج منذ سنتين وأمامي عمل هو تفكيك السيرة وإثارة ساحتها للتعرّف على كل قضاياها ، صغيرها وكبيرها ، لأعود إلى عملية تنسيق وتجميع تؤدي إلى استخلاص القوانين التي وضعتها الحركة الإسلامية بالعمل كي لا يكون إنسان أمام اجتهاده الخاص ، بل يكون أمام القضية الإسلامية بالذات ، ولكي نحسم هذه المشكلة من جذورها ، ولكي نغطي على كل ارتباكات الماضي .