فهرس الكتاب

الصفحة 15721 من 27345

د. عماد الدين خليل/ الإسلام اليوم

ومَن وعى التاريخَ في صدره ** أضافَ أعمارًا إلى عمره ..

وأنا أتذكر هذا البيت تذكرت في الوقت نفسه كيف يمنح الإسلام الإنسان فرصة فذة لمدّ رحلة حياته القصيرة وإغنائها، وجعلها أعمارًا لاتُحصى بدلًا من العمر الضيق، المسطح، الواحد، القصير الذي يعرفه الإنسان العادي، ويتألم من ضيقه وقصره وسرعة انصرامه!!

إن الشاعر يريد أن يقول هنا بأن إدراك التاريخ والإلمام بدقائقه المتلاحقة الموغلة في الزمن، ومعايشتها كما لو كانت واقعة اللحظة، يمنح حياة الإنسان امتدادًا في الماضي يضيف من خلاله الكثير من التجارب والمواقف والأحداث إلى مكونات هذه الحياة المحدودة، فيمتد بها، ويغنيها بأعمار جديدة لاتُعد ولا تُحصى ..

في القرآن الكريم دعوة (يومية) في الاتجاه نفسه، إن آياته البينات ترحل بالمؤمنين عبر كل تلاوة في مجرى الزمن، وتحكي لهم عن وقائع التاريخ المزدحمة، وأحداثه المتلاحقة ومعطياته المتمخضة عن القيم والعبر والدلالات معظم سور القرآن تضرب على الوتر نفسه، فلا تخلو من واقعة تاريخية أو حدث ماضٍ أو دعوة لاستلهام المغزى من هذه التجربة أو تلك .. إن الامتداد الذهني والوجداني إلى الماضي يشكل مساحة واسعة في كتاب الله، وقد تحدثت عن الموضوع بإسهاب في مقدمة كتاب (التفسير الإسلامي للتاريخ) .. لكنني هنا بصدد مسألة أخرى .. إن تأكيد القرآن على المعايشة التاريخية، وإعادة عرضها المرة تلو المرة، بأسلوب مؤثر وصيغ تهز الوجدان، يلعب دوره في إغناء حياة الإنسان ومدها وتكثيفها ومنحها الفرصة لأن تكسب - بتعبير الشاعر - أعمارًا أخرى .. لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد .. إن القرآن الكريم والتجرية الإيمانية عمومًا، تسعى لأن تمد أبصار الإنسان إلى المستقبل القريب والبعيد جنبًا إلى جنب مع التوجه صوب الماضي. وهذا النزوع المستقبلي كما أنه يؤكد حركية الإسلام على المستوى العام، فإنه على المستوى الوجودي الخاص -إذا صح التعبير - يمنح الإنسان فرصة أخرى لمدّ حياته وإغنائها وكسب رصيد زمني تتضاءل إزاءه السنون الخمسون والستون أو حتى التسعون التي تُحسب عمرًا للإنسان.

وأي مستقبل هذا الذي يتواصل معه الإنسان المسلم؟

إنه زمن مفتوح على مصراعيه، ممتد في الأبدية، لاتقطّع فيه، ولا حواجز، ولا زوال .. إنها الرؤية التي تلغي واقعة الموت من حسابها، فتحرّر الإنسان من عمره المحدود وتطلقه في المدى عبر آلاف السنين صوب يوم الحساب!!

ويوم الحساب في كتاب الله قريب بعيد.. ومهما يكن من قربه أو بعده فإنه يجيء بمثابة بدء لزمن الخلود الذي لاينتهي أو ينعدم أبدًا..

كل منا تملّكه هذا الإحساس اللذيذ، المطمئن، العزيز، بين الحين والحين.. وأن عمره ليس بمحدود وأن زمنه ليس بفانٍ، وأنه ممتد بمشيئة الله وقوة الروح في الزمن

القادم .. وليس الموت حاجزًا أو فاصلًا، ليس الموت نهاية طريق أو بابًا موصدًا .. إنه مجرّد نقلة، نقلة سريعة، ينطلق الإنسان بعدها لمواصلة الحياة بهذا الشكل أو ذاك مما لا يعلم كنهه إلا الله سبحانه.

كل منا أحس، في مجابهته الضغوط النفسية والمتاعب التي لا تنقضي والأحزان المتجددة، أنه قادر على تجاوز الأسر والانطلاق في الزمن، حيث لاخوف ولا تناقص ولا عد تنازلي باتجاه لحظة الأفول الأخيرة ..

إن رحلة الإنسان في التصور الإسلامي ماضية إلى هدفها .. طويلة مديدة .. وإنها وهي تتوجه صوب يوم الحساب القريب البعيد لتأمل في معانقة خلودها الموعود!!

وما أروعه من إحساس يملأ وجدان الإنسان وعقله وقلبه باقتناع ليس إلى تعريفه من سبيل ، ويدفعه إلى نفور جارف ورفض حاسم لكل أولئك الذين رأوا في حياتهم الدنيا فرصتهم الأولى والأخيرة، وفي سنيهم الخمسين والسبعين عمرهم الوحيد.. أيكون الإنسان، بعد هذه الرحلة القصيرة، لقمة سائغة للعدم؟ إنه تصوّر تضيق معه نفس المؤمن الذي يرفض خرافة العدم هذه، حتى ليكاد يختنق وهو يعاينها من بعيد ..

لقد خُلق الإنسان لكي يظل موجودًا .. لكي يمتد في الزمن فلا يكون عرضة لانعدام أو فناء ..إن هذا هو الذي يميز الإنسان عن الحيوان والأشياء .. إنها مرهونة بعمر محدود، تتلاشى بعده وتضيع .. أما الإنسان فإنه يتفرد على الكائنات، ويظل ممتدًا في الأبدية، دائمًا في الزمان .. ليس الإنسان (شيئًا) أو (حيوانًا) !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت