توطئة وتمهيد:
إن الإنسان مخلوق الله تعالى الذي خلقه فسواه فعدله، فكان هذا تكريمًا للإنسان على مخلوقات الله الأخرى، وحسبه من هذا التكريم الإنعام عليه بالعقل والفكر، وتشريفه بالتكليف الإلهي.
إن الإنسان في أصل جوهره الذي عليه مدار ذاته وكيانه ووجوده يدور حول طبعه وسليقته من ناحية، ومن ناحية أخرى يدور حول ذاته الحرة الواعية المستبصرة بما أضاف أو أضيف إليها من مكسوبات البيئة والظروف المخامرة، والأحوال الملابسة...
ويكون هناك إحدى حالتين:
الأولى يسيطر فيها الطبع الموروث بالسليقة في الأغلب الأعم، وهو ما تنطوي عليه الفطرة المفطور عليها، وإما أن تسيطر الظروف على الطبع فتعمد إلى تعديله وتخصيص حركته ونزعاته وسلوكياته...
وفي دولاب الحياة توجد كل أصول الطباع، خصالها وخصائصها وتفريعاتها، سواء كانت أصولًا محضة ( لم يلحقها تغير أو تبديل أو تحوير وتخصيص ) أم غير ذلك مما أعتورها وكاتفها ـ درجة ما من التعديل والتحوير.. وهذا الطرز والأنماط فاشية بين بني البشر، ظاهرة كل الظهور، واضحة كل الوضوح للعيان، لا تخفي على الأريب والخبير الممارس.
والكلام على الإشارات القرآنية للطبائع البشرية كلام كثير يحتاج بيانه وتفصيله إلى سفر جامع، لكن نكتفي هنا بالإشارة إلى بعض هذه الطبائع، ونحرر تحليل بعض المواقف الظاهرة السافرة والخيوط التي تصل بينها وبين عوالم الأسرار المطوية في السرائر، والتي قد تكون محجوبة مستورة ولكنها تقف وراء كل حركات الإنسان وسكناته، فنفسر أسلوبه في الحياة ومنهاج عمله، وتبرر مسلك عقيدته، وما يتأدى إليه من قول وفعل.
الطبائع الثمانية
هناك تقسيمات قديمة للطبائع عزا القدماء إليها كل شيء، لعل أقدمها الطبائع الأربعة: الناري، ويدل على الحرارة، والهوائي، يدل على الرطوبة، والمائي، للبرودة، والأرضي ( الترابي ) ، لليبوسة.
كما أن القدماء اتفقوا على الأخلاط والأمزجة الأربعة، وهي:
الصفراوي (choleretic) .
والبلغمي (phlegmonus) .
والدموي (consanguious) (consanguinargy) .
والسوداوي ( الميلانخوليا ) : (melancholic) .
ثم أخذ العلم في التطور وتوالت البحوث والدراسات التي قطعت أشواطًا بعيدة من النظرية والتطبيق، لكن في النهاية ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين الميلاديين المدرسة الفرنسية في علم الطباع التي طوّرت هذا العلم وانتقلت به من حيز الفروض النظرية البحتة والتصورات النمطية الخيالية المحضة إلى الدراسات التطبيقية والتحليلات العملية، على عينات إحصائية مختارة من مختلفة طبقات وشرائح المجتمع، ورصد النتائج وتدوين الملاحظات المنتهي إليها في دقة بالغة.
كانت هذه طفرة بارزة يرجع الفضل فيها إلى العلامة والفيلسوف الفرنسي رينيه لوسين (rene lesenene) ( أستاذ علم النفس والفلسفة بجامعة السربون والمتوفي سنة خمس وخمسين وتسع مئة وألف للميلاد ) .
وكان رافقه وعاضده في بحوثه جيرترود هيمانس (gertrude heymans) ( عالم النفس الهولندي ) وصديقه الدكتور فيرزما (wirsma) (وهو طبيب اختصاصي في الأمراض العقلية ) .
ولقد انتهت الدراسات لهذه المدرسة إلى أن طبائع البشر ثمانية طباع: العصبي، والعاطفي، والغضبي، والجموح، والدموي، واللمفاوي، والهلامي، ثم الخامل.
وعن كل طبع من هذه الطباع استخلصت البحوث العلمية لهذه المدرسة كثيرًا من الدقائق واللطائف التي تفسر لنا كثيرًا من الرغبات والمنازع التي تتحكم في التوجه وتبرر لنا غوامض الشخصية، وتميط اللثام عن عديد من السلوكيات الغامضة.
* الإشارات القرآنية:
إن الإشارات القرآنية الواردة في الكتاب العزيز إنما تعطينا صورة دقيقة للملامح والسمات والقسمات التي ينضوي تحتها الطبع، فهي إما تصرح بالطبع تصريحًا، أو تشير إليه تلميحًا، أو تقرر أخص خصائصه بلمحات ضمنية أو غير مباشرة.
وهنا يأتي دور الخبير المتمرس بطول المران على قراءة ما وراء الظواهر والمحسوسات، من خلال تقويم الإشارات واللمحات، وترجمة مدلولاتها بغير افتئات على النصوص، أو تزيد لا موجب له بحال من الأحوال.
لكننا بادي الرأي ـ قبل الولوج إلى جواهر المسائل ـ نرى وجوب الإشارة والتنبيه والتنويه عن عدة ملاحظات وتحفظات وهي:
أولًا: الغضب من أقبح الطبائع البشرية على مختلف مستوياتها، لكنه إذا كان منسوبًا لله تعالى فإنه قمة العدل والقسط، لكونه منزهًا عن عوارض السلبية التي تعتور البشر، ولأنه بريء من الظلم والفساد ( حاشاه ذلك ) ، ومع هذا فإن رحمته سبحانه وتعالى سبق تغضبه. من ثم، فإنه في الصفات المشتركة بين الخالق والمخلوق تكون المشاركة لفظية فحسب، فإنه جل شأنه ( ليس كمثله شيء ) .